جارٍ التحميل...
جارٍ التحميل...

في كل مؤتمر أحضره، أرى كيف يُمكن للتغطية المهنية أن تصنع الفرق وكيف تُبرز الرسائل ويُعاد صياغة السرد الصحفي بطرق جديدة وكيف تُفتح الأبواب أمام الطلاب وتربط الجامعة بالميدان وكيف تمنح صنَّاع القرار رؤية أوضح لما يحدث على الأرض. وكما يعلم الإعلاميون جميعًا أن التغطية الميدانية للمؤتمرات والمعارض لم تعد نشاطًا إعلاميًا تقليديًا، بل أصبحت أداة من أدوات الرأي العام ووسيلة من وسائل القوى الناعمة وأداة إستراتيجية تُعيد تشكيل صورة الحدث وترفع من قيمته وتحوله من مؤتمر وطني إلى منصة عالمية تُقرأ وتُناقش وتُبنى على إثرها القرارات. فالتغطية الميدانية لم تعد أداة لنقل الحدث، بل أداة لصناعة الأثر فهي لم تعد كاميرا وميكروفون، بل هي قراءة إستراتيجية للحدث يضيف للمؤتمر قيمة وطنية تُصدر للعالم من خلال صناعة سردية وطنية تربط الحدث برؤية الدولة، وتُبرز القطاعات الحيوية مثل الفضاء والتعليم والصحة والداخلية والاستثمار ونحوها، كما تفتح الحوار الدولي عبر لقاءات الخبراء والشركات العالمية، وتمنح صنَّاع القرار مادة تحليلية تساعدهم على تقييم أثر المؤتمر، كما تظهر الهوية الوطنية في سياق عالمي. وعلى مدى سنوات طويلة تنقلت بين المعارض والمؤتمرات لتغطيتها إعلاميًا ونظمت عدد كبير منها محليًا ودوليًا في مختلف القطاعات الحيوية كالتعليم والصحة والثقافة والفضاء والاقتصاد والسياسة وحتى في المجال الديني وهذا التنوع منحني قدرة كبيرة على ربط القطاعات ببعضها لأتمكن من قراءة الأحداث من منظور شامل قد لا يملكه كثير من الصحفيين الذين يكتفون بزاوية واحدة. ففي تغطيتي الأخيرة لمؤتمر ليب 2026 كما هو الحال مع الكثير من التغطيات السابقة رافقتني مجموعة من طالباتي اللاتي يسألنني دائمًا عما منحتني تجربتي الميدانية والآن سأجيبهن تجربتي الميدانية التي تجاوزت الـ 20 عامًا في الميدان منحتني خبرة ممتدة عبر المؤتمرات الدولية، وشبكة علاقات مهنية عالمية وعلى مستوى متنوع تتجدد مع كل مؤتمر وتفتح أبواب جديدة للحوار والتسويق، منحتني تجربة تنقلهن معي وهن يهمسن باستمتاعهن بالتجربة أن أدمج الميدان بالجامعة وأن أجعل من المقررات الدراسية متعة تعليمية، ومنحني شغفي بالتغطيات العلمية تحديدًا ما يجعل المحتوى العلمي الذي أقدمه أكثر دقة وعمقًا ويثري معلوماتي الشخصية. وفي كل مرة يدخل فيها طالباتي إلى المؤتمر تتغير نظرتهن للمهنة وتتحول تجربتهن إلى نقطة تحول في مسارهن الأكاديمي، فترى كل منهن الزخم، السرعة، تعدد المصادر، ضغط الوقت، وتنوع الوسائل، وتجدد الأدوات في كل مؤتمر، وهذه التجربة تُعيد تشكيل وعيهن وتمنحهن مهارات لا تُدرس في القاعات، فيمتلكن على أثرها مهارات ميدانية حقيقية في التعامل مع الحدث، ويستطعن بناء محتوى واقعي من صور ومقابلات وملاحظات، بل تفهم كل منهن العلاقة بين الإعلام وبقية القطاعات الأخرى وحتى علاقته بصناعة القرار، كما يندمجن في بيئة عالمية تتجاوز حدود الجامعة وتتعلَّّم كل منهن بناء علاقاتها المهنية التي تفتح أمامها المستقبل. أستاذ الإعلام هو الحلقة التي تربط بين الميدان والمقرر الجامعي لأنه لا يُدرس إعلامًا، بل يصنع إعلاميين قادرين على رفع قيمة الوطن عبر الكلمة والصورة والصوت، بل يستطيع أستاذ الإعلام أن يكون حلقة وصل بين الطالب والجهات المشاركة في المؤتمرات فيمنحهم فرصة التدريب والتطوع وحتى الوظيفة المستقبلية وهي فرص لا تتاح في التعليم التقليدي. فالتغطيات الميدانية في المؤتمرات والمعارض يا سادة ليست مهمة صحفية فقط، بل هي مسؤولية وطنية، ورسالة مهنية، ورؤية تُبنى عليها القرارات المصيرية للوطن بإستراتيجية عالمية.

في اليوم العالمي لأعمال الخير - والذي يتكرر في الخامس من هذا الشهر (سبتمبر) في كل عام- تتجدد الدعوة الدولية لفعل الخير، وتتعالى الأصوات التي تذكّر بأهمية العطاء، ومساعدة المحتاجين، وخدمة المجتمع. والحقيقة التي يجب أن تكون حاضرة في ذهنية كل منا أن مفهوم الخير في الإسلام أوسع دلالة مما هو في قواميس البشرية قاطبة،. فالخير في ديننا ليس فعلاً مادياً فحسب، وليس كل عمل نعتقد أننا نفعله من أجل الآخرين يصبح خيراً بمجرد حسن النية. إنما يجتمع في العمل الخيري الإسلامي (حسن القصد، وصحة الوسيلة، ونفع الآخرين، وانتفاء الضرر عنهم). وهنا تكمن عظمة نظرة ديننا للخير؛ فهو لا ينظر فقط إلى ما أعطيته للآخر، وإنما ينظر أيضاً إلى ما منعته عنه من ضرر وإيلام. - فإن تختار العفو مثلاً وأنت تملك القدرة على الرد خير، بل إن هذا الصنيع من أعظم أعمال الخير قاطبة، ويكفي دليلاً على ذلك أن الله عز وجل تكفل بمنح فاعله الأجر منه وخصه بذلك {وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ} (40) سورة الشورى. - وأن تتعامل مع الناس بثقة إلا أن ترى خلاف ذلك خير، إذ الأصل في الإسلام (براءة الذمة). - وأن تسمع كلمة جارحة ثم لا ترد بمثلها، خير. - وأن ترى خلافاً بين اثنين فتسعى إلى الإصلاح بينهما، خير (والصلح خير). - وأن تحفظ سر إنسان ائتمنك عليه، خير. - وأن تمنح شخصاً فرصة بدلاً من أن تحطمه، خير. - وأن تقول كلمة حق دون إساءة أو تشهير، خير، وعلى هذا فحتى الأسلوب الذي تخاطب به الناس، والطريقة التي تتعامل بها معهم جزءً من الخير، فالصدقة بالمال على سبيل المثال قد تتحول إلى جرح إذا صاحبها منٌّ أو إذلال، وقد تتحول النصيحة إلى إساءة إذا خلت من الحكمة، وقد يتحول الدفاع عن الحق إلى اعتداء إذا غاب عنه العدل. ومن أجمل ما يلفت النظر في المنظومة الإسلامية أن الخير لا يعني دائماً أن تفعل شيئاً، فقد يكون الخير أحياناً في (ألا تفعل). - ألا تكذب أو تغتاب أو تنم أو تشهد شهادة زور أو تنبز (سين) من الناس بما لا يحب. - ألا تحقد ولا تحسد على أحد. - ألا تنشر إشاعة قد تؤذي إنساناً. - ألا تنقل خبراً لم تتحقق منه. - ألا تستغل ضعف شخص. - ألا تفضح مخطئاً يمكن إصلاحه. - ألا تستعمل منصبك أو جاهك أو مالك للإضرار بغيرك. - ألا تتسبب في أذى لجارك أو قريبك أو حتى بعيداً عنك ولو كان يهودياً أو نصرانياً او بوذياً. - ألا ترد الإساءة بإساءة أكبر. هذه كلها أعمال قد لا يراها البعض منا «أعمالاً خيرية» بالمعنى المتعارف عليه مجتمعياً، لكنها تدخل في جوهر الأخلاق الإسلامية القائمة على دفع الضرر وحفظ حقوق الناس والمحافظة على كرامتهم واحترامهم، وهذا كله خير. كما أن الخير في الإسلام ليس موسماً يبدأ في يوم وينتهي في نفس اليوم، وليس حملة إعلامية أو مبادرة مؤقتة؛ وإنما هو سلوك حياتي يصاحب الإنسان في بيته، وعمله، وشارعه، ومجتمعه، ويلازمه في كلماته التي يكتبها عبر وسائل التواصل الاجتماعي، فاللهم أجعلنا من أهل الخير وعناوينه في أقوالنا وأفعالنا وجميع تصرفاتنا، دمتم بخير وتقبلوا صادق الود.. والسلام.

معظم الجبال على سطح الكرة الأرضية تمتد جذورها داخل أعماق الأرض بنسبة تتراوح غالباً بين 3 إلى 5 أضعاف ارتفاع القمة، كذلك جبال الثلج وسط البحر لا نري سوى 10 % من حجمها بينما 90 % تحت سطح البحر. على سبيل المثال السفر براً من أي محافظة من محافظات منطقة القصيم أو من العاصمة الإدارية مدينة بريدة إلى المدينة المنورة هناك العديد من الجبال الشاهقة على يمين ويسار الطريق السريع. العلاقة بين مشاعر الإنسان على اختلافها علاقة تشابهية مع الجبل وسط الصحراء وجبل الثلج في البحر، علاقة لا نرى منها إلا ما نراه من تصرفات الإنسان وما نراه يطفو على سطح البحر. في داخل كل إنسان جبل ثلج، في داخل كل إنسان مشاعر يحتفظ بها ومشاعر أخرى ترى النور ويبوح بها للآخرين. لا نقلل من المشاعر الدفينة فهي الصادقة أحياناً كثيرة لكنه لا يستطيع أن يبوح بها. ما أجمل تلك المشاعر البشرية والأحاسيس الإنسانية المرهفة الصادقة التي تُذِيب جبل الثلج الذي في داخلنا، الناس بحاجة إلى سماع صدق المشاعر والتعبير عن الحب والعطاء والإخلاص وما فائدة جفاف العواطف التي تقتل الرطب واليابس، هل هناك أصدق من مشاعر الأم نحو فلذات كبدها؟، فجبل ثلجها في داخلها يطفو على سطح بحر الحياة ولسان حالها صادق في كل ما تقوله. الحياة ليست كلمات منمقة أو مشاعر مزيفة الحياة قيم إنسانية، ومشاعر صادقة. الحياة تعطي الاستقرار والحب والتعايش لكافة أفراد المجتمع فلا تدمروها بالأقنعة المزيفة والمشاعر المزيفة. في كثير من الأحيان يضغط الإنسان على نفسه؛ ليمنعها من البوح بمشاعر ما أو التعبير عن آراء أو أفكار بعينها، لأسباب مختلفة تختلف وفقاً للموقف، ولكن هل يمكن لتلك المشاعر التي نخفيها أن يكون لها تأثير سلبي علينا؟ بالتأكيد لها تأثير سلبي فهي تؤدي إلى التوتر العضلي، ومشاكل الجهاز الهضمي والصداع وغيرها من المشكلات الجسدية. «احذر من المبالغة، فإنّ الثقة الزائدة تُصبح غروراً، والمديح الزائد يُصبح نفاقاً» - ويليام شكسبير. حقاً الحياة مسرح ونحن الممثلون فمنا من يحسن إتقان الدور ومنا من هو فاشل في مدرسة الحياة لكنه ناجح في العبث بالمشاعر الإنسانية. حتماً الكثير من الناس يدركون مدى قسوة العبث بالمشاعر التي يخفونها ويظهرونها على مسرح الواقع المر. شخصياً أومن وأعتقد هناك الكثير من مشاعرنا التي نخفيها، المشاعر الإيجابية علينا إظهارنا لترى الحياة وتنعش القلب. (الأيام كفيلة بأن توضح لك مشاعر الآخرين تجاهك، ستعلم بأن ليس كل قريب يحبك وليس كل كلمة جميلة تكون صادقة من القلب وليس كل ابتسامة تدل على نقاء) جبران خليل جبران. نحن بحاجة وبشدة إلى المشاعر الصادقة والقلوب المطمئنة من يحمل لنا صدق المشاعر ويدعو لنا ويهتم بعيداً عن زيف المظاهر الخادعة البراقة. همسة مؤلم أن نخفي مشاعرنا ولا نعبر عنها، إنها تؤثر على صحتنا النفسية.

على مستوى العالم. يعتبر الصيف وبشهوره وأسابيعه وأيامه. تزداد وتتضاعف فيه كلمة آه تسمعها صرخة وهي تنطلق. صامتة دائماً والواحد «المعرق» ويده تمتد لتمسح العرق من وجهه، أو وهو ممسك في يده بشيء ما يحرك الهواء، أو بمعنى آخر يهف بها باحثاً عن نسمة هواء. في أشهر الصيف أو لنقل فصل الصيف. فإن حرارة الجو خاصة في المناطق الحارة التي تتضاعف فيها حرارة الصيف وتتضاعف أيضاً فيها فواتير الكهرباء، فكيف بالتالي تكون حالة المتقاعدين الذين كبروا وشاخوا. ففي الصيف ضيعت اللبن وشيء لابد من الإشارة إٍليه فهناك الآلاف من إخواننا الذين مازالوا قادرين على العمل تجدهم يذهبون كل صباح إلى أسواق الخضار للشراء والبيع في هذه الأسواق من أجل الحصول على المزيد من المال الحلال، والمشكلة في الصيف أن ارتفاع الحرارة تساهم في ارتفاع نسبة الضيق والنرفزة وحتى الحدة في الحديث خاصة في المناطق الحارة، وارتفاع درجة الحرارة هذا العام عبرت عن نفسها فأحرقت الأخضر واليابس في العديد من دول أوروبا فرنسا وبريطانيا وبلجيكا وإسبانيا، وزحفت النيران للجزائر وتونس بل تسببت الحرائق في انتشارها وتغيير سماء كندا ونيويورك. الخ. وما زلت أذكر كلمات ابنتي «أسماء» والتي ذهبت إلى فرنسا وعائلتها الصغيرة والتي قالت: لم نستمتع كثيراً فحرارة باريس هذا العام كانت مزعجة جداً؛ مما دفع سكانها وزوارها لحمل المظلات والمراوح وحتى زجاجات الماء بل تراكض الآلاف لشراء أجهزة التكييف والمراوح، ومشاهدة أخبار القنوات التلفزيونية وهي تنقل مباشرة من المناطق التي تعاني من الحرائق وكيف وصلت إلى المناطق السكنية مما أجبر سكانها على ترك بيوتهم والهروب منها والنجاة بحياتهم. وكما هو معلن مات الآلاف خاصة كبار السن من ارتفاع الحرارة والحرائق ومع أن فصل الصيف معروف عنه أنه فصل الراحة والإجازات ولكن الذي حدث هذا العام في دول أوروبا كان مختلفاً. كما كان في الماضي وتحول إلى فصل المتاعب والخسائر وهروب السياح والزوار، وأضافت الحمد لله عدنا سالمين. وفي فصل الصيف تزداد متاعب الأسر فتكثر مناسبات الاحتفالات العائلية والواجبات العائلية، من احتفالات بالخطوبة والزوجات التي تجعل أيام الصيف فيه الكثير من الإجهاد، وحتى متاعب الصيف التي تتوالد مثل عرق الصيف، وفي كل الحالات يتضاعف في هذا الفصل الإكثار من شرب الماء نزولاً عند نصائح وتوصيات الأحبة الأطباء، ولم يكن غريباً أن يُكثر الإنسان شرب الماء، فالماء هو الحياة وبالتالي تضاعف الإقبال على شراء الزجاجات المائية والتي باتت منتشرة في مختلف المناطق والمحافظات وتنوعت أحجامها وأشكالها، وحتي أحجامها بل هناك من يقوم توصيلها «دلفري» ما عليك إلا تحويل قيمتها فتصلك في وقت قصير.. وكل صيف ونحن بخير.

أكتب عن مجمع الملك سلمان العالمي للغة العربية وأنا أشعر أن الحديث عنه يختلف بالنسبة لي عن الحديث عن أي مؤسسة ثقافية أخرى، فقد قضيت جزءًا كبيرًا من عمري مع العربية درستها وتخصصت في بلاغتها ونقدها، وعشت معها في التعليم والبحث والكتابة الصحفية، وكلما امتدت هذه الصحبة أدركت أن اللغة لا تريد منا أن نقف طويلًا في مدحها بل تريد من يخدمها ويعمل لها ويمنحها من وقته وفكره، ولذلك أسعد كثيرًا وأنا أرى مؤسسة سعودية تحمل اسمًا عزيزًا علينا اسم خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وقد أخذت على عاتقها أن تخدم العربية بطريقة تتناسب مع مكانة المملكة، ومع المكانة التي تحتلها هذه اللغة في وجداننا وتاريخنا وحياتنا. ما يبعث على السرور في مجمع الملك سلمان أن العمل فيه يتحرك في أكثر من اتجاه، فلا تشعر أن العربية محصورة في النحو والصرف أو في مؤتمر يتحدث فيه المتخصصون إلى المتخصصين بل تجد اهتمامًا بالتعليم والبحث والمعاجم والتقنية والمحتوى وتعليم العربية لغير الناطقين بها، وتجد تواصلًا مع المؤسسات والباحثين والخبراء، وهذا ما تحتاج إليه لغتنا بالفعل فهي موجودة معنا في المدرسة والجامعة والوزارة والصحيفة والهاتف والمنصة الرقمية، ويجب أن تكون المؤسسة التي تخدمها قادرة على الوصول إلى هذه المساحات كلها، وأن تفهم أن طالب اليوم لا يعيش بالطريقة التي عاش بها طالب قبل ثلاثين عامًا، وأن اللغة التي تدخل حياته عبر الكتاب يجب أن تدخلها كذلك عبر التقنية التي يحملها في يده طوال اليوم. وقد سرني الملتقى التنسيقي الخامس للمؤسسات السعودية المعنية باللغة العربية ليس بسبب انعقاده للمرة الخامسة فقط بل بسبب الفكرة التي يقوم عليها، وهي أن تجتمع المؤسسات التي تعمل للعربية وتتحدث مع بعضها وتعرف ما لديها من تجارب ومشروعات، فكم خسرنا في مجالات كثيرة بسبب أن كل جهة تعمل وحدها، وكم من تجربة ناجحة انتهت بانتهاء أصحابها لأن أحدًا لم يعرف عنها أما أن يجمع المجمع هذه الجهات ويقرب بينها ويفتح المجال أمامها لتبادل المعرفة والخبرة، فهذا عمل نحتاج إليه؛ لأن العربية أكبر من مؤسسة، وأكبر من جامعة، وأكبر من قسم أكاديمي، وخدمتها مسؤولية يشترك فيها الجميع. وعنوان الملتقى هذا العام (السياسة الوطنية للغة العربية في المملكة العربية السعودية: من الإطار التنظيمي إلى التفعيل المؤسسي) يحمل معنى يستحق الاهتمام، فالسياسة الوطنية للغة العربية التي صدرت بقرار مجلس الوزراء رقم (588) لا نريدها أن تبقى نصًا نقرأه ونثني عليه بل نريد أن نشاهد أثرها في المؤسسات، وفي المدارس والجامعات، وفي الإعلام، وفي لغة الجهات الحكومية، وفي المحتوى الذي يقدم للناس، فالعربية ليست مسؤولية أستاذ اللغة العربية وحده، وكل موظف يكتب خطابًا، وكل جهة تصدر بيانًا، وكل جامعة تقدم معرفة، وكل مؤسسة تخاطب الناس تشارك بطريقة ما في تقديم صورة هذه اللغة. وأنا القادم من التعليم أعرف أن أمام المجمع مساحة واسعة يستطيع أن يقدم فيها الكثير، فطالبنا لا يحتاج إلى أن يحفظ القاعدة ثم يضعها في ورقة الاختبار وينساها بل يحتاج إلى أن يعرف كيف يكتب، وكيف يتحدث، وكيف يعبر عن رأيه، وكيف يقنع، وكيف يقدم نفسه وفكرته بلغة واضحة، وقد درست البلاغة والنقد سنوات طويلة، وما زلت أرى أن أعظم ما تمنحه اللغة للإنسان هو القدرة على أن يقول ما يريد بالطريقة التي تجعل الآخر يفهمه، ولذلك أتمنى أن تصل برامج المجمع ومشروعاته بصورة أكبر إلى الطالب والمعلم، وأن يشعر الاثنان أن العربية قريبة من حياتهما وليست مادة تنتهي علاقتها بهما بانتهاء الاختبار. ويسعدني كذلك أن أرى العربية تأخذ نصيبها من الاهتمام في المجال التقني فقد دخلنا زمنًا أصبح الإنسان يتحدث فيه إلى الآلة فتجيبه، وأصبح الذكاء الاصطناعي جزءًا من حياتنا أسرع مما توقعنا، ولا أريد للعربية أن تدخل هذا العالم ضيفة متأخرة بل أريدها أن تكون واحدة من لغاته القوية، وهذا يحتاج إلى عمل كبير في البيانات والمعاجم والمحتوى والأبحاث والتقنيات اللغوية، ويملك مجمع الملك سلمان بما لديه من دعم وخبرات وعلاقات فرصة كبيرة ليجعل المملكة في مقدمة الدول التي تعمل على بناء حضور عربي قوي في هذا المجال. وللمجمع جهد يستحق الشكر في نشر العربية وتعليمها لغير الناطقين بها، وأجد في هذا العمل معنى يتجاوز تعليم اللغة نفسها، فالإنسان الذي يتعلم العربية يتعرف علينا بصورة مختلفة، ويقرأ ثقافتنا من داخلها، ويقترب من أدبنا وتاريخنا ومجتمعنا وما أتمناه أن يصبح اسم الرياض مرتبطًا في العالم بتعلم العربية ودراستها، وأن يعرف من يريد العربية أيًا كان بلده أن في المملكة مجمعًا يستطيع أن يقوده إليها بالعلم والمعرفة والوسائل الحديثة. ولا بد أن تقال كلمة شكر لصاحب السمو الأمير بدر بن عبدالله بن فرحان آل سعود وزير الثقافة رئيس مجلس أمناء المجمع على دعمه لهذا الصرح، والشكر موصول للأستاذ الدكتور عبدالله بن صالح الوشمي الأمين العام للمجمع، ولجميع العاملين معه، فما نراه من برامج ومشروعات وملتقيات وعلاقات لا يصنعه شخص واحد بل تقف خلفه عقول وأيدٍ تعمل وتخطط وتتابع، ومن الوفاء أن نذكر الناس الذين يعملون للعربية كما نذكر الشعراء والأدباء الذين أبدعوا بها. لقد أخذت العربية مني سنوات كثيرة من الدراسة والقراءة والبحث لكنها أعطتني عمرًا آخر من المعرفة، ولذلك أفرح بكل جهد يقدم لها شيئًا حقيقيًا، وأشعر بالفخر أن أرى في بلدي مؤسسة تحمل اسم الملك سلمان وتعمل لهذه اللغة بهذا الاتساع، وأرجو أن يكبر المجمع أكثر، وأن يصل إلى الناس أكثر، وأن يعرفه الطالب والمعلم والموظف كما يعرفه الباحث والمتخصص، وأن يصبح بعد سنوات المرجع الذي يتجه إليه كل من يبحث عن العربية في أي مكان من العالم. شكرًا لمجمع الملك سلمان العالمي للغة العربية ليس لأنكم تحدثتم عن لغتنا كثيرًا بل لأنكم عملتم لها، واللغة التي منحتنا هويتنا وذاكرتنا وشيئًا كبيرًا من تكويننا تستحق من وطنها هذا الوفاء، وتستحق منّا أن نقول لمن يخدمها: أحسنتم، وواصلوا، فالعربية تستحق الكثير.

تمثل مقولة «أول خطوة للخروج من الحفرة هي عدم الاستمرار في الحفر»، المقتبسة من كتاب «الغابة البرتقالية»، قاعدة ذهبية وخلاصة مكثفة لفلسفة النجاة في مواجهة الأزمات، ورغم بساطتها الظاهرة، إلا أنها تلامس واحدة من أعقد المعضلات النفسية والسلوكية التي يواجهها الإنسان، حيث نجد أنفسنا مراراً نتخبط في مسارات خاطئة، لنتحول بأيدينا إلى جنود في معركة خاسرة ضد ذواتنا وضد الظروف المحيطة بنا. فعندما نصطدم بفشل مشروع، أو تعثر علاقة، أو طريق مسدود في مسارنا المهني أو الشخصي، غالباً ما نقع في فخ الاستمرار بالزخم ذاته، ونظن بغفلة أن بذل المزيد من الجهد في الاتجاه الخاطئ كفيل بتصحيح المسار، فنشبه تماماً من يحفر بئراً في قاع مظلم آملًا في بلوغ النور، ليفاجأ بأنه لا يفعل سوى النزول تدريجياً نحو عمق أكبر وظلمة أشد كثافة. إن هذا الإمعان المدمر في الخطأ يغذيه غالباً ما يُعرف في الأدبيات السلوكية بـ «مغارطة التكلفة الغارقة»، حيث يرفض العقل البشري الاعتراف بخسارة ما استثمره من وقت أو جهد أو مشاعر، وهذا الارتباط الوهمي بماضٍ ولّى يدفعنا للاستمرار في الدوران داخل الساقية ذاتها، متجاهلين أن الاستثمار في الخطأ لا يزيده إلا فداحة، وأن التمادي في العناد لن يثمر سوى الـمـزيـد من استـنـزاف الــطــاقـــــات والــقـــــدرات العميقة. ومن هنا تبرز الحاجة الملحة لشجاعة التوقف المفاجئ والاعتراف بأن البوصلة أصبحت تالفة، فالإقرار بالخطأ ليس عجزاً، بل هو أول فعل استباقي لوقف النزيف واستعادة السيطرة على دفة الأمور، إن إلقاء المعول جانباً يمنح الوعي البشري مساحة حيوية للتنفس وإعادة التقييم، مما يحول التركيز من دائرة جلد الذات والإحباط إلى رحاب التفكير الاستراتيجي والحلول البديلة الممكنة. وحين نكسر حلقة الحفر المستمر هذه، فإننا نفتح الباب واسعاً أمام مسارات جديدة ومبتكرة نحو النجاة، كالبحث عن سلم بديل، أو طلب المشورة السديدة، أو إعادة هندسة الأهداف بالكامل نحو وجهة أكثر استدامة وأماناً، فالحكمة البالغة لا تكمن في استحالة السقوط في الحفر، بل في امتلاك البصيرة للوقوف على حافة الهاوية ورفض الهبوط، لأن الصعود نحو النور يبدأ حصراً من اللحظة التي نكف فيها عن تعميق الظلمة من حولنا.

السوشيال ميديا لم تصنع كثيرًا من الوجوه الزائفة، لكنها نزعت عنها الأقنعة، وأظهرتها على حقيقتها؛ كشفت من كان يتدثر بالمبادئ وهو أول من يطعنها، ومن يتغنى بالأخلاق وهو أبعد الناس عنها، ومن يرفع راية التواضع بينما لا يرى في هذا العالم إلا نفسه، لقد أتاحت للجميع أن يتحدثوا، فتكلم بعضهم حتى فضح نفسه بلسانه، وكشف تناقضه بيده، وأسقط بالصورة والفيديو تلك الهالة التي ظل سنوات يصنعها حول ذاته ويطلب من الآخرين تصديقها. في السابق، كان بإمكان الإنسان أن يخفي تناقضه خلف المجالس، وأن ينتقي كلماته بعناية، وأن يظهر للناس بالوجه الذي يريد، أما اليوم، فقد أصبح هاتفه شاهدًا عليه؛ ما يكتبه، وما يقوله، وما يصوره، وما ينشره، وما يفعله حين يظن أنه يلمّع نفسه، كلها شواهد متراكمة ترسم ملامح شخصيته، وتكشف الفرق الفاضح بين ما يدّعيه وما يعيشه، والأشد سخرية أن بعضهم يدخل المنصات ليصنع لنفسه صورةً مثالية، فإذا به يهدمها بنفسه منشورًا بعد منشور، وموقفًا بعد موقف، يرفع شعار القيم ثم يخرقها، ويتحدث عن الكرامة ثم يبيعها، وينادي بالتواضع ثم لا يحتمل أن يُحجب عنه التصفيق. السوشيال ميديا ليست دائمًا منصةً لصناعة المجد، أحيانًا تكون محكمةً مفتوحة، لا قاضيا فيها إلا ما يكتبه الإنسان بيده، ولا شاهدا فيها إلا أرشيفه، ولا حاجة فيها إلى خصمٍ يفضحه، لأنه تكفّل بالمهمة بــنــفــســــه، فالإنـسان قــد يــخدع الناس سنوات، لـكنه لا يـسـتـطـيــــع أن يخدع كــل منشوراتــــــه ومواقفه، وما يظنه بعضهم توثيقًا لمجده، قد يتحول مع الأيام إلى سجلٍّ كامل يثبت عكس ما ادّعاه، وفي زمنٍ أصبحت فيه الذاكرة الرقمية لا تنسى، لم يعد السؤال: ماذا يقول الناس عنك؟ بل: ماذا تركتَ أنت عن نفسك ليقوله الناس؟ السوشيال ميديا لم تفضح الناس؛ الناس هم الذين فضحوا أنفسهم بأنفسهم، من ظن أن كثرة الكلام تصنع له قدرًا، وأن كثرة الظهور تمنحه قيمة، وأن التصفيق يثبت مكانته، نسي أن الزمن لا يحفظ الضجيج، بل يحفظ المواقف، فالأقنعة قد تخدع العيون، لكنها لا تصمد أمام التكرار، وما يكتبه الإنسان بيده، ويقوله بلسانه، ويفعله أمام الناس، قد يصبح يومًا أقوى شاهدٍ عليه، ومن أراد أن يعرف حقيقة رجل، فلا ينظر إلى ما يقوله عن نفسه، بل إلى ما تكشفه أفعاله حين تسقط عنه الحاجة إلى التجمّل، فهناك، تحديدًا، تسقط الأقنعة، وتظهر الحقيقة عاريةً لا تحتاج إلى مَن يفضحها.

عندما يظهر «الفساد» في منظومة «الواقع» تتشكل في «أفق» التفسير الكثير من «التحليلات» التي تعتمد على شخصية «الفاسد» وهوية «المفسدة»، مما يجعل «النفس» البشرية محور ارتكاز لسبر «أغوار» السلوك والخروج بنتائج واضحة تتجلى في سماء «الحقيقة» وفق العقل والمنطق. من أهم أدوات «الفساد» اللعب على وتر «الكذب» وهو السمة «الأكثر» ظهوراً في فضاء «التحايل» والأعلى انتشاراً في آفاق «الخداع»، من خلال الظهور بشخصية «وهمية» تدعي «الأمانة» وتستدعي «الإخلاص» وتوهم «المجتمع» بإيحاءات «المثالية»، وترسم أمام «الجمهور» ومضات «الموضوعية» في مخالفة صريحة للصواب وابتعاد «واقعي» عن محيط «الصدق» وخروج من قالب «المنطق»، في ظل عدم الاعتماد على «أصول» الحق « وتوظيف «فصول» الواقع. يرتبط الكذب بشخصية «الفاسد» ارتباطاً وثيقاً ولا ينتهي الأمر عند ارتباط الصفة بالموصوف فحسب بل إن الأمر يتجاوز ذلك إلى الإمعان في اتباع «السلوك» الكاذب والمضي عبر «المسلك» الخاطئ وتكريس «جهود» الذات في تغيير «الحقائق» وتبديل «الوقائع»، وفق اتجاه «بائس» عبر دروب «الاحتيال» في خطوات «جريئة» تضبط عوامل «الحرص» للوصول نحو شواطئ «الأمان» والهروب من سطوة «المساءلة»!!. يلجأ «الشخص الفاسد» إلى قراءة «المستقبل» من عين «مغمضة» عن الحق وأمام مجهر واضح لحصد ثمار «المصالح» على حساب «الأمانة»، وفق «تخطيط» ذاتي ينطلق من عمق «التفكير» إلى أفق «التدبير» في فضاءات من التلاعب بالصلاحيات والتمسك بالذاتية والبحث عن «العالمية» في ظل اعتماد على «الكذب» في الحديث والحدث والسلوك والرأي والتصريح والقول والفعل»! يبدأ «الكذب» مع الشخص الفاسد منذ اللحظات الأولى التي تبدأ فيها «النفس» بالتخطيط الأول لجلب «المصالح» الشخصية والابتعاد عن مساحات «النزاهة» والهروب من مواطن «المحاسبة»، والاتجاه نحو «مسارات» المحسوبية وصناعة «شلل» المفاسد بعد الإيقاع بهم في «مصائد» الإدانة والإمعان في توظيف «الفساد»، والبحث عن «عوامل» مساعدة للخروج من «مأزق» الرقابة المحتملة والتواجد في مساحة الأمن من «العقاب». هنالك «فساد» مبرمج يخطط له «الفاسدون» بإمعان وتمعن مع وجود «خطط» متواصلة للبعد عن «الشبهات» من خلال التمسك بالكذب والارتباط بالتحايل وفق «أقوال» مدروسة وأفعال مرسومة، مع التدقيق في انعكاسات «السلوك» من خلال ردود «الفعل» المتوقعة أو المحتملة مما يقتضي دراسة الموضوع ووضع الحلول من عمق «التجارب» إلى أفق «المآرب» التي تقترن فيها سمات الشخصية مع أهداف الذات في منظومة تتوارى خلف ستار «التلاعب» وتتخفى وراء جدار «التحايل»، مع ضرورة «تشديد» العقاب ومضاعفة الحساب ومحاسبة «المدان».

نقول كلمات كثيرة كل يوم، ونكاد لا نشك لحظة في أننا نعرف ما نقول. نسأل، ونجيب، ونطلب، ونعتذر، ونعد، ونمزح، ونغضب، ثم نمضي في حياتنا وكأن اللغة أداة شفافة لا تفعل أكثر من نقل ما يوجد في أذهاننا إلى أذهان الآخرين. لكن كم مرة قلنا شيئًا، ثم اكتشفنا أن الطرف الآخر فهم شيئًا مختلفًا؟ وكم مرة سمعنا عبارة بسيطة، ثم أدركنا أن معناها لم يكن في كلماتها وحدها؟ قد يسأل شخص صديقه: «هل ستأتي الليلة؟»، فيجيبه: «سأحاول». لا توجد في الجملة كلمة تعني صراحة «نعم»، ولا كلمة تعني «لا». ومع ذلك يفهم الصديق، غالبًا، أن الحضور غير مؤكد، وربما يفهم من نبرة المتكلم أو من معرفته السابقة به أنه لن يأتي. فماذا حدث هنا؟ لقد قالت الكلمات شيئًا، وفهم السامع شيئًا أوسع منها. من هنا تبدأ إحدى أكثر مسائل فلسفة اللغة إثارة: ماذا يعني أن نفهم كلامًا؟ نحن نميل إلى الاعتقاد بأن معنى الجملة موجود داخل الكلمات، كما لو أن كل كلمة تحمل معنى ثابتًا، وأن جمع الكلمات في جملة ينتج المعنى النهائي بصورة آلية. وهذا صحيح إلى حد ما؛ فالكلمات والتراكيب لها دلالات، واللغة ليست فوضى من الأصوات. لكن المعنى الذي يصل إلينا في الحياة اليومية يتجاوز كثيرًا ما تقوله الكلمات بصورة حرفية. لو قال شخص لصديقه الذي وصل متأخرًا ساعتين: «ما شاء الله، وصلت مبكرًا!»، فلن يفهم الصديق العبارة بوصفها مديحًا حقيقيًا. وقد لا يجد في الكلمات نفسها ما يبرر هذا الفهم؛ فالعبارة، إذا أخذناها حرفيًا، تثني على وصوله المبكر. لكن السياق يجعلها سخرية. هنا لا تكفي معرفة معاني المفردات وقواعد الجملة لكي نفهم ما قيل. نحن بحاجة إلى معرفة الموقف، وعلاقة المتكلمين، وما حدث قبل الكلام، وحتى النبرة التي قيلت بها العبارة. ولهذا كان سؤال المعنى أكثر تعقيدًا من البحث عن معنى الكلمات في المعجم. لقد اهتم الفلاسفة بهذا السؤال طويلًا، لأن اللغة ليست مجرد وسيلة للحديث عن الأشياء، بل هي جزء أساسي من طريقة وجودنا في العالم. ومن بين الذين جعلوا اللغة محورًا مركزيًا في الفلسفة الحديثة لودفيغ فيتغنشتاين، الذي انتقل في مرحلته الفلسفية المتأخرة من النظر إلى اللغة بوصفها نظامًا ينبغي أن يكشف عن بنائه المنطقي إلى التركيز على استعمالها في الحياة اليومية. وفي كتابه «بحوث فلسفية»، ارتبط معنى الكلمة باستعمالها في اللغة. والفكرة التي أصبحت مشهورة في فلسفة اللغة هي أن السؤال عن معنى كلمة لا يمكن فصله عن السؤال: كيف تُستعمل؟ خذ كلمة مثل «حر»، قد نصف بها شخصًا بأنه «حر»، أو بلدًا بأنه «حر»، أو قرارًا بأنه «حر»، أو سعرًا بأنه «حر». الكلمة واحدة، لكن ما تعنيه يتغير بحسب المجال والسياق والعلاقة بين الكلمات. وحتى الكلمة التي تبدو واضحة في المعجم قد تصبح مختلفة الدلالة عندما تنتقل إلى استعمال جديد. وهنا تكمن إحدى المفارقات الجميلة في اللغة: نحن لا نتعلم الكلمات منفردة بقدر ما نتعلم طرق استعمالها. فالطفل لا يتعلم معنى كلمة «شكرًا» من تعريف قاموسي، وإنما يتعلم متى يقولها ولمن ولماذا. ولا يتعلم «آسف» بوصفها مجرد لفظ، بل يتعلم أنها تقال بعد خطأ أو أذى أو تقصير. ولا يفهم «تفضل» من حروفها، وإنما من المواقف التي تستخدم فيها: قد تكون دعوة إلى الدخول، أو تقديم شيء، أو إفساح مجال للكلام. ومن هنا جاءت أهمية ما يسمى في فلسفة اللغة بـ«أفعال الكلام». وقد أبرز الفيلسوف البريطاني جون أوستن أن الكلام لا يقتصر على وصف الواقع؛ فنحن نفعل أشياء بالكلمات. حين أقول: «أعدك أن أفعل ذلك»، فأنا لا أصف وعدًا موجودًا في مكان آخر، بل أقوم بفعل الوعد نفسه. وحين يقول القاضي: «حكمت المحكمة...»، فالكلمات ليست تقريرًا محايدًا، وإنما جزء من فعل مؤسسي يترتب عليه أثر. وحين يقول شخص لآخر: «أعتذر»، فإنه لا يخبره فقط بأنه يشعر بالندم، بل يؤدي فعل الاعتذار. بهذا المعنى، ليست اللغة مرآة للواقع فحسب؛ إنها تدخل في صناعة بعض الأفعال والعلاقات والالتزامات التي نعيشها. لكن إذا كان الكلام يتجاوز الكلمات، فكيف يستطيع الناس أن يفهم بعضهم بعضًا؟ هنا يأتي عنصر آخر بالغ الأهمية: القصد. حين نتكلم، لا نضع الكلمات أمام الآخرين ونتركهم يتعاملون معها كما يشاؤون. غالبًا ما نريد منهم أن يدركوا شيئًا معينًا. وقد تناول الفيلسوف بول غرايس هذا الجانب من خلال اهتمامه بما يريده المتكلم من السامع أن يفهمه، وكيف يستطيع السامع أن يستنتج معاني لا تُقال صراحة. فلو سأل شخص ضيفه: «هل أعجبك الطعام؟»، فقال الضيف: «كانت الحلوى لذيذة»، فمن الواضح أنه لم يجب عن السؤال إجابة مباشرة. ومع ذلك قد يفهم صاحب البيت أن الضيف لم يستحسن الطعام كله، وأنه خصّ الحلوى بالمدح لأنه لم يجد ما يمدحه في غيرها. لم يقل الضيف: «الطعام لم يعجبني»، لكنه أوصل هذه الدلالة بطريقة غير مباشرة. وهنا يظهر الفرق بين ما تقوله الجملة حرفيًا وما نريد أن يفهمه الآخر منها. وهذا الفرق يفسر جانبًا كبيرًا من سوء الفهم الذي يحدث بين البشر. فقد يظن المتكلم أن قصده واضح، بينما لا يملك السامع إلا الكلمات والسياق الذي أمامه. وقد يفهم السامع من العبارة ما لم يكن المتكلم يقصده أصلًا. وفي أحيان أخرى، قد يكون المتكلم نفسه غير واضح تمامًا في قصده؛ لأنه لم يفكر بما يكفي فيما يريد قوله. وهذا يقودنا إلى سؤال أكثر غرابة: هل نفهم ما نقوله قبل أن نقوله؟ ربما لا يحدث ذلك دائمًا، أحيانًا يبدأ الإنسان كلامه بفكرة غير مكتملة، ثم يكتشف أثناء الحديث ما الذي يريد قوله. وأحيانًا يكتب جملة، ثم يقرأها فيشعر أنها لا تعبّر عما كان يفكر فيه، فيغيرها. وقد يبدأ شخص نقاشًا وهو يظن أنه يعارض فكرة معينة، ثم يتبين له أثناء النقاش أنه لا يعارض الفكرة نفسها، وإنما يعارض طريقة عرضها. اللغة هنا ليست مجرد صندوق نضع فيه أفكارًا مكتملة، بل قد تكون أداة نكتشف بها أفكارنا ونرتبها. ولعل هذا يفسر لماذا يكون الكلام أحيانًا وسيلة للتفكير، لا مجرد نتيجة له. نحن نتحدث لكي نشرح للآخرين، لكننا نتحدث أيضًا لكي نفهم أنفسنا. وقد يكون الحوار الجيد ليس هو الذي ينتهي إلى اتفاق، بل الذي يجعل كل طرف يعرف موقفه بصورة أدق مما كان يعرفه قبل الحوار، غير أن اللغة لا تمنحنا دائمًا هذا الوضوح. فالكلمات التي تبدو بسيطة قد تكون محمّلة بتجارب وثقافات وذكريات مختلفة. كلمة مثل «وطن» ليست مجرد أربعة أحرف ومعنى معجمي. قد تكون عند شخص مكان الميلاد، وعند آخر ذاكرة الطفولة، وعند ثالث تجربة اغتراب، وعند رابع فكرة سياسية أو ثقافية. ولذلك لا يكفي أن نتشارك الكلمات حتى نتشارك المعاني نفسها. وهذا ما يجعل الحوار بين البشر أكثر هشاشة مما نتصور، فنحن نستخدم النظام اللغوي نفسه أحيانًا، لكننا لا نستخدم الكلمات من داخل التجربة نفسها. ولذلك فإن فهم الآخر يحتاج إلى أكثر من فهم لغته، يحتاج إلى فهم السياق الذي يتكلم منه، قد يقول شخص: «أنا بخير»، لكن معنى العبارة يتغير إذا قالها وهو يبتسم، أو وهو يبكي، أو بعد صمت طويل، أو في جواب سريع على سؤال عابر. الكلمات واحدة، لكن الموقف ليس واحدًا. وهنا لا تعود اللغة مجموعة من القواعد والقواميس فقط، وإنما تصبح ممارسة اجتماعية يعيش فيها الإنسان مع الآخرين. ربما لهذا كان من الصعب أن نجد معنى نهائيًا منفصلًا عن الاستعمال، فاللغة تتحرك مع الناس، وتتغير بتغير مواقفهم وعلاقاتهم وحاجاتهم. والكلمة التي كانت تؤدي معنى معينًا في زمن قد تتسع دلالتها أو تضيق في زمن آخر. وبعض الكلمات تكتسب معاني جديدة لأنها دخلت سياقات جديدة. ومع ذلك، لا ينبغي أن نقع في الطرف المقابل فنقول إن الكلمات لا معنى لها إلا بحسب ما نريد نحن أن نعطيها. فاللغة نظام اجتماعي مشترك، ولها قواعد واستعمالات مستقرة تجعل التواصل ممكنًا أصلًا. لو كان لكل شخص أن يمنح الكلمات أي معنى يشاء، لما استطعنا أن نفهم بعضنا. إن المعنى يبدو إذن كأنه يقع في منطقة وسطى: بين الكلمة، وما يقصده المتكلم، والسياق، وما يستطيع السامع أن يستنتجه. وهذا ربما هو السبب في أن أفضل المتحدثين ليسوا دائمًا أكثر الناس كلمات، وإنما أكثرهم قدرة على اختيار الكلمة التي تناسب المقام. وأفضل المستمعين ليسوا من يفهمون الكلمات فقط، بل من ينتبهون إلى ما وراءها دون أن يتسرعوا في تفسيرها. في زمن الرسائل السريعة والتعليقات المختصرة، أصبحت المشكلة أكبر، نقرأ جملة في شاشة صغيرة، فنفترض نبرة صاحبها، ونحدد قصده، ثم نبني موقفًا كاملًا على ذلك. وقد يكون كل ما حدث أننا قرأنا كلمات صحيحة في سياق ناقص. كم من خلاف بدأ بسبب جملة لم تُفهم كما أراد صاحبها؟ وكم من علاقة توترت لأن أحد الطرفين قرأ في كلام الآخر معنى لم يقصده؟ وكم من كلمة طيبة تحولت إلى إساءة لأن السياق غاب؟ ربما لا نستطيع أن نمنع سوء الفهم تمامًا، فاللغة الإنسانية ليست معادلة رياضية. لكن يمكننا أن نكون أكثر وعيًا بحقيقة بسيطة: ما يُقال ليس دائمًا هو ما يُقصد، وما يُقصد ليس دائمًا هو ما يُفهم. وبين هذه المستويات الثلاثة تعيش مساحة واسعة من التجربة الإنسانية. لذلك، حين نتحدث، ربما نحتاج إلى أن نسأل أنفسنا ليس فقط: «ماذا قلت؟»، بل: «ماذا أردت أن أقول؟ وكيف يمكن أن يفهم الآخر كلامي؟». وحين نستمع، ربما نحتاج إلى السؤال المقابل: «هل هذا ما قصده فعلًا، أم أنني أضيف إلى كلامه شيئًا من عندي؟». فالكلمات لا تكفي وحدها لصناعة الفهم، كما أن النوايا وحدها لا تكفي. إنما ينشأ الفهم من اللقاء بين اللغة والاستعمال والسياق والقصد. وفي النهاية، قد لا يكون السؤال: هل نفهم ما نقوله؟ سؤالًا عن عجز اللغة، بل عن تعقيدها. فنحن نستخدم كلمات قليلة لنعبر عن عوالم واسعة، ونقول جملًا محدودة تحمل خلفها تجارب وذكريات ومقاصد لا تظهر كلها على سطح الكلام. ولعل أجمل ما في اللغة أنها لا تمنحنا دائمًا المعنى جاهزًا؛ إنها تدعونا إلى أن نبحث عنه. فحين نقول كلمة، تبدأ رحلة المعنى، ولا تنتهي بالضرورة عند آخر حرف فيها.

في إحدى القرى البريطانية البعيدة جدًا عن عاصمة الضباب لندن، يوجد مخزن قديم مليء بالحاويات، ويبدو للوهلة الأولى وكأنه مكان عادي لتخزين البضائع، لكن ما يوجد داخل تلك الحاويات قصة مختلفة تمامًا. حدثني صديق مقرّب لي أنه سيذهب إلى هناك ومعه شاحنته الصغيرة، فقد اكتشف أن المخزن يحتوي على حاويات تضم كميات هائلة من البضائع المرتجعة، وأن لكل حاوية وزنًا محددًا وكما شرح لي، فإن مواقع التسوق العالمية التي تتعامل مع ملايين الطلبات حول العالم تستقبل يوميًا أعدادًا كبيرة من المرتجعات، إضافة إلى الطلبات التي يرفض أصحابها تسلّمها لأسباب مختلفة، بدلًا من إعادة بيع كل قطعة على حدة، يتم جمع كميات كبيرة من هذه البضائع وبيعها أحيانًا بأسعار زهيدة حسب الوزن، وهنا خطرت في بال صديقي فكرة غريبة ومغامرة لم أكن أعرف إلى أين ستقودنا.! قرر أن يشتري طنًا كاملًا من البضائع المرتجعة، ودعاني إلى مشاركته بأي مبلغ أستطيع دفعه، على أن أحصل في المقابل على جزء من هذا الطن المليء بالطرود والطلبات المجهولة، أعطيته مبلغًا بسيطًا كمشاركة مني وتشجيعًا له، وبالفعل ذهب واشترى الحاوية، وهنا بدأت المفاجآت.! أولًا اكتشفنا أن الطن ليس مجرد صناديق مرتبة يمكن فتحها بسهولة، بل كان مليئًا بالأكياس السميكة والصناديق الورقية والطرود المتداخلة فوق بعضها، وكان تفريغها يحتاج إلى وقت طويل وعمل شاق، والأهم من ذلك كله، كان علينا فتح كل طلب بعناية شديدة حتى لا تتعرض محتوياته للتلف أو التخريب. ثانيًا كانت هناك طرود غامضة تمامًا؛ أشياء لا نعرف ما هي، ولا ماذا تفعل، ولا حتى كيف يمكن استخدامها، وهنا وجد صديقي نفسه مضطرًا إلى الاستعانة بالذكاء الاصطناعي في كل صغيرة وكبيرة، كان يلتقط صورة لشيء ما ويسأل، ما هذا، وكيف يُستخدم، وهل له قيمة، وأحيانًا كانت الإجابات تزيد حيرتنا بدلًا من أن تنهيها. ثالثًا اكتشفنا أن من بين هذه الطلبات مواد غذائية مختلفة، بعضها كان يمكن تناوله أو استخدامه في الطبخ، بينما كان بعضها الآخر غريبًا جدًا بالنسبة لنا، وهناك أشياء لم نجرؤ حتى على التفكير في استخدامها، فكان مصيرها سلة المهملات فورًا. بعد خمسة أيام من العمل بكامل طاقتنا، بدأت أنا وصديقي في إحصاء كل شيء، وقمنا بالتخلص من كمية هائلة من الأكياس البلاستيكية والصناديق الورقية، وكانت النتيجة مرضية حقًا لي وله، فقد تمكن صديقي من توزيع جزء كبير مما حصل عليه على أفراد أسرته الكبيرة، أما بالنسبة لي فقد حصلت على ساعة يد جميلة أعتقد أنها ثمينة، وحذاء رياضي من ماركة عالمية، وثلاث قبعات للرأس، وكمية من فرش الأسنان تكفيني لعشر سنوات قادمة. ** ** - أكاديمي وكاتب كردي مقيم في بريطانيا

حقيقة لا أحب التذمر أو السلبية، ولكن مع زحمة الرياض لا تستطيع إلاّ أن تبتسم، وتبقى تتساءل وتُتمتم طوال الطريق: ما أساس مشكلة الزحمة؟ ما سببها الحقيقي؟ ومتى ننتهي منها؟ هل حجم مرور السيارات اليومي تجاوز القدرة الاستيعابية للطرق؟ أو أن أساساً تصميم بعض الطرق والمداخل والمخارج كان خطأً؟ هل السبب هو زيادة سكان الرياض؟ أم أن هناك أسباباً أخرى اجتمعت معاً وأوصلتنا إلى ما نحن عليه اليوم؟ السؤال الأهم ما الإجراءات التي تفعلها الجهات المعنية المسؤولة اليوم للتعامل مع هذه المشكلة التي تُضيع أعمارنا في الطرقات؟ الزحمة لم تعد مجرد تأخير بسيط بل أصبحت جزءاً من الحياة اليومية لسكان الرياض. ساعات طويلة نقضيها داخل السيارات، كان ممكن أن نقضيها مع الأسرة أو في العمل أو حتى في الراحة. وللأسف أن القيادة التي يُفترض أن تكون ممتعة ووسيلة للوصول إلى وجهة معينة أصبحت نزهة إجبارية مُملّة، والإنسان بطبيعته لا يحب كل ما هو إجباري. الزحمة في الرياض ليست مشكلة جهة واحدة، ولا أعتقد أن من الإنصاف اختصارها في الطرق فقط. هي نتيجة طبيعية لمدينة كبرت وتغيرت بسرعة وزاد عدد سكانها ومركباتها. دخول المرأة إلى قيادة السيارة كان عاملاً من عوامل زيادة عدد السيارات في الطرقات، وكذلك دخول أعداد جديدة من الشباب إلى سن القيادة كل عام إضافة إلى النمو السكاني واستمرار توسع المدينة، كل ذلك ساهم في الزحمة. كما أن هناك سلوكيات مرورية تزيد الطين بِلّة مثل من «يساقط» ويتنقل بين السيارات أو يتجاوز بطريقة خطرة، ثم ينتهي الأمر بحادث يعطل أكثر من مسار وقد يحول شارعاً مزدحماً أصلاً إلى موقف سيارات كبير في وقت الذروة. وهنا أيضاً عتب على بعض من لديهم سائقون لم تكتمل خبرتهم في القيادة، ثم يتركونهم يناطحون في شوارع الرياض وفي أوقات الذروة وكأن المدينة ميدان تدريب! هذا فضلاً عن العليميّات الجدد الله يحفظهن. أما من يقود منشغلاً بجواله وداخل عالم آخر وتارك السيارة مع نفسها فلا تعليق! اللي فينا كافينا! يا جماعة القيادة مسؤولية والالتزام بالأنظمة واحترام الطريق ليس أمراً ثانوياً في مدينة تتحرك فيها ملايين الرحلات يومياً. في المقابل، لا يمكن تحميل من يقودون وحدهم مسؤولية المشكلة. أعتقد أن هناك حاجة إلى إعادة النظر في تصميم بعض الطرق والمداخل والمخارج بما يتناسب مع حجم الحركة الحالي. ففي بعض المواقع، الدخول من طريق فرعي إلى طريق رئيسي يعني عملياً الدخول على مسار غير مسارك، مما يربك حركة السير ويقلل من انسيابية التدفق المروري ويزيد الاختناق. ومع كل هذا، من الإنصاف أن نقول إن الجهات الحكومية لم تقف مكتوفة الأيدي أمام المشكلة حيث أقروا حلولاً مهمة، مثل ساعات العمل المرنة، والعمل عن بُعد، وتنظيم حركة الشاحنات والنقل الثقيل خارج أوقات الذروة، إلى جانب مشاريع النقل العام من القطارات والحافلات، وتطوير الطرق الدائرية والرئيسية، والاستفادة من التقنية والبيانات في إدارة الحركة المرورية. هناك أفكار وحلول تُدرس، واستعانة بخبرات وتجارب عالمية لدراسة مشكلة الزحام ومحاولة الوصول إلى حلول تنهي أو تخفف زحمة السير. وهي جهود مهمة، لكن مدينة مثل الرياض تتغير بسرعة كبيرة، وما كان مناسباً قبل سنوات ليس كافياً اليوم. لذلك، ربما نحتاج إلى أن تكون الزحمة أولوية مستمرة في التخطيط للمدينة، لا أن ننتظر حتى يكتمل مشروع لنعالج اختناقاً آخر. نحتاج أن نسأل دائماً، كيف ستكون حركة الرياض بعد خمس سنوات؟ وبعد عشر سنوات؟ وندخل الميكانيكية بالمعادلة وليس فقط كيف نعالج زحمة اليوم؟ وأنا على يقين أن القادم أجمل، خصوصاً عند اكتمال خطوط النقل العام، والانتهاء من مشاريع تطوير الطرق وفتحها، واستمرار العمل على تحسين البنية التحتية والنقل ومواقف السيارات في المدينة. ولكن لا زلت آمل وكلي ثقة بأن كل من يسكن الرياض لديه نفس الأمل من الجهات المعنية أن يستعجلوا ويعطوا أولوية لحل معضلة زحمة الرياض. فالساعات التي نقضيها في الطرق ليست مجرد أرقام في تطبيق الخرائط، بل هي من أعمارنا. عموماً، يبقى حب الرياض الحبيبة ثابتاً، ونبقى نردد الأغنية الجميلة (قلبي تولع بالرياض.. حباً ورثته من الجدود). الرياض مسقط رأسي ونبقى ما دمنا أحياءً نحبها، ونحب أهلها، ونحب طرقها وكباريها وكل تفاصيلها إلا اللي بالي بالك وقت الذروة. ولذلك نريدها أجمل وأسهل وأسرع. فالرياض تستحق أن تكون سريعة في كل شيء.. حتى في طرقها.