جارٍ التحميل...
جارٍ التحميل...
د. أنس عضيبات08/09/2026
تمثل مقولة «أول خطوة للخروج من الحفرة هي عدم الاستمرار في الحفر»، المقتبسة من كتاب «الغابة البرتقالية»، قاعدة ذهبية وخلاصة مكثفة لفلسفة النجاة في مواجهة الأزمات، ورغم بساطتها الظاهرة، إلا أنها تلامس واحدة من أعقد المعضلات النفسية والسلوكية التي يواجهها الإنسان، حيث نجد أنفسنا مراراً نتخبط في مسارات خاطئة، لنتحول بأيدينا إلى جنود في معركة خاسرة ضد ذواتنا وضد الظروف المحيطة بنا.
فعندما نصطدم بفشل مشروع، أو تعثر علاقة، أو طريق مسدود في مسارنا المهني أو الشخصي، غالباً ما نقع في فخ الاستمرار بالزخم ذاته، ونظن بغفلة أن بذل المزيد من الجهد في الاتجاه الخاطئ كفيل بتصحيح المسار، فنشبه تماماً من يحفر بئراً في قاع مظلم آملًا في بلوغ النور، ليفاجأ بأنه لا يفعل سوى النزول تدريجياً نحو عمق أكبر وظلمة أشد كثافة.
إن هذا الإمعان المدمر في الخطأ يغذيه غالباً ما يُعرف في الأدبيات السلوكية بـ «مغارطة التكلفة الغارقة»، حيث يرفض العقل البشري الاعتراف بخسارة ما استثمره من وقت أو جهد أو مشاعر، وهذا الارتباط الوهمي بماضٍ ولّى يدفعنا للاستمرار في الدوران داخل الساقية ذاتها، متجاهلين أن الاستثمار في الخطأ لا يزيده إلا فداحة، وأن التمادي في العناد لن يثمر سوى الـمـزيـد من استـنـزاف الــطــاقـــــات والــقـــــدرات العميقة.
ومن هنا تبرز الحاجة الملحة لشجاعة التوقف المفاجئ والاعتراف بأن البوصلة أصبحت تالفة، فالإقرار بالخطأ ليس عجزاً، بل هو أول فعل استباقي لوقف النزيف واستعادة السيطرة على دفة الأمور، إن إلقاء المعول جانباً يمنح الوعي البشري مساحة حيوية للتنفس وإعادة التقييم، مما يحول التركيز من دائرة جلد الذات والإحباط إلى رحاب التفكير الاستراتيجي والحلول البديلة الممكنة.
وحين نكسر حلقة الحفر المستمر هذه، فإننا نفتح الباب واسعاً أمام مسارات جديدة ومبتكرة نحو النجاة، كالبحث عن سلم بديل، أو طلب المشورة السديدة، أو إعادة هندسة الأهداف بالكامل نحو وجهة أكثر استدامة وأماناً، فالحكمة البالغة لا تكمن في استحالة السقوط في الحفر، بل في امتلاك البصيرة للوقوف على حافة الهاوية ورفض الهبوط، لأن الصعود نحو النور يبدأ حصراً من اللحظة التي نكف فيها عن تعميق الظلمة من حولنا.