جارٍ التحميل...
جارٍ التحميل...
د. حسين علي غالب بابان08/09/2026
في إحدى القرى البريطانية البعيدة جدًا عن عاصمة الضباب لندن، يوجد مخزن قديم مليء بالحاويات، ويبدو للوهلة الأولى وكأنه مكان عادي لتخزين البضائع، لكن ما يوجد داخل تلك الحاويات قصة مختلفة تمامًا.
حدثني صديق مقرّب لي أنه سيذهب إلى هناك ومعه شاحنته الصغيرة، فقد اكتشف أن المخزن يحتوي على حاويات تضم كميات هائلة من البضائع المرتجعة، وأن لكل حاوية وزنًا محددًا وكما شرح لي، فإن مواقع التسوق العالمية التي تتعامل مع ملايين الطلبات حول العالم تستقبل يوميًا أعدادًا كبيرة من المرتجعات، إضافة إلى الطلبات التي يرفض أصحابها تسلّمها لأسباب مختلفة، بدلًا من إعادة بيع كل قطعة على حدة، يتم جمع كميات كبيرة من هذه البضائع وبيعها أحيانًا بأسعار زهيدة حسب الوزن، وهنا خطرت في بال صديقي فكرة غريبة ومغامرة لم أكن أعرف إلى أين ستقودنا.!
قرر أن يشتري طنًا كاملًا من البضائع المرتجعة، ودعاني إلى مشاركته بأي مبلغ أستطيع دفعه، على أن أحصل في المقابل على جزء من هذا الطن المليء بالطرود والطلبات المجهولة، أعطيته مبلغًا بسيطًا كمشاركة مني وتشجيعًا له، وبالفعل ذهب واشترى الحاوية، وهنا بدأت المفاجآت.!
أولًا اكتشفنا أن الطن ليس مجرد صناديق مرتبة يمكن فتحها بسهولة، بل كان مليئًا بالأكياس السميكة والصناديق الورقية والطرود المتداخلة فوق بعضها، وكان تفريغها يحتاج إلى وقت طويل وعمل شاق، والأهم من ذلك كله، كان علينا فتح كل طلب بعناية شديدة حتى لا تتعرض محتوياته للتلف أو التخريب.
ثانيًا كانت هناك طرود غامضة تمامًا؛ أشياء لا نعرف ما هي، ولا ماذا تفعل، ولا حتى كيف يمكن استخدامها، وهنا وجد صديقي نفسه مضطرًا إلى الاستعانة بالذكاء الاصطناعي في كل صغيرة وكبيرة، كان يلتقط صورة لشيء ما ويسأل، ما هذا، وكيف يُستخدم، وهل له قيمة، وأحيانًا كانت الإجابات تزيد حيرتنا بدلًا من أن تنهيها.
ثالثًا اكتشفنا أن من بين هذه الطلبات مواد غذائية مختلفة، بعضها كان يمكن تناوله أو استخدامه في الطبخ، بينما كان بعضها الآخر غريبًا جدًا بالنسبة لنا، وهناك أشياء لم نجرؤ حتى على التفكير في استخدامها، فكان مصيرها سلة المهملات فورًا.
بعد خمسة أيام من العمل بكامل طاقتنا، بدأت أنا وصديقي في إحصاء كل شيء، وقمنا بالتخلص من كمية هائلة من الأكياس البلاستيكية والصناديق الورقية، وكانت النتيجة مرضية حقًا لي وله، فقد تمكن صديقي من توزيع جزء كبير مما حصل عليه على أفراد أسرته الكبيرة، أما بالنسبة لي فقد حصلت على ساعة يد جميلة أعتقد أنها ثمينة، وحذاء رياضي من ماركة عالمية، وثلاث قبعات للرأس، وكمية من فرش الأسنان تكفيني لعشر سنوات قادمة.
** **
- أكاديمي وكاتب كردي مقيم في بريطانيا