جارٍ التحميل...
جارٍ التحميل...
د. سجى عارف08/09/2026
في كل مؤتمر أحضره، أرى كيف يُمكن للتغطية المهنية أن تصنع الفرق وكيف تُبرز الرسائل ويُعاد صياغة السرد الصحفي بطرق جديدة وكيف تُفتح الأبواب أمام الطلاب وتربط الجامعة بالميدان وكيف تمنح صنَّاع القرار رؤية أوضح لما يحدث على الأرض.
وكما يعلم الإعلاميون جميعًا أن التغطية الميدانية للمؤتمرات والمعارض لم تعد نشاطًا إعلاميًا تقليديًا، بل أصبحت أداة من أدوات الرأي العام ووسيلة من وسائل القوى الناعمة وأداة إستراتيجية تُعيد تشكيل صورة الحدث وترفع من قيمته وتحوله من مؤتمر وطني إلى منصة عالمية تُقرأ وتُناقش وتُبنى على إثرها القرارات.
فالتغطية الميدانية لم تعد أداة لنقل الحدث، بل أداة لصناعة الأثر فهي لم تعد كاميرا وميكروفون، بل هي قراءة إستراتيجية للحدث يضيف للمؤتمر قيمة وطنية تُصدر للعالم من خلال صناعة سردية وطنية تربط الحدث برؤية الدولة، وتُبرز القطاعات الحيوية مثل الفضاء والتعليم والصحة والداخلية والاستثمار ونحوها، كما تفتح الحوار الدولي عبر لقاءات الخبراء والشركات العالمية، وتمنح صنَّاع القرار مادة تحليلية تساعدهم على تقييم أثر المؤتمر، كما تظهر الهوية الوطنية في سياق عالمي.
وعلى مدى سنوات طويلة تنقلت بين المعارض والمؤتمرات لتغطيتها إعلاميًا ونظمت عدد كبير منها محليًا ودوليًا في مختلف القطاعات الحيوية كالتعليم والصحة والثقافة والفضاء والاقتصاد والسياسة وحتى في المجال الديني وهذا التنوع منحني قدرة كبيرة على ربط القطاعات ببعضها لأتمكن من قراءة الأحداث من منظور شامل قد لا يملكه كثير من الصحفيين الذين يكتفون بزاوية واحدة.
ففي تغطيتي الأخيرة لمؤتمر ليب 2026 كما هو الحال مع الكثير من التغطيات السابقة رافقتني مجموعة من طالباتي اللاتي يسألنني دائمًا عما منحتني تجربتي الميدانية والآن سأجيبهن تجربتي الميدانية التي تجاوزت الـ 20 عامًا في الميدان منحتني خبرة ممتدة عبر المؤتمرات الدولية، وشبكة علاقات مهنية عالمية وعلى مستوى متنوع تتجدد مع كل مؤتمر وتفتح أبواب جديدة للحوار والتسويق، منحتني تجربة تنقلهن معي وهن يهمسن باستمتاعهن بالتجربة أن أدمج الميدان بالجامعة وأن أجعل من المقررات الدراسية متعة تعليمية، ومنحني شغفي بالتغطيات العلمية تحديدًا ما يجعل المحتوى العلمي الذي أقدمه أكثر دقة وعمقًا ويثري معلوماتي الشخصية.
وفي كل مرة يدخل فيها طالباتي إلى المؤتمر تتغير نظرتهن للمهنة وتتحول تجربتهن إلى نقطة تحول في مسارهن الأكاديمي، فترى كل منهن الزخم، السرعة، تعدد المصادر، ضغط الوقت، وتنوع الوسائل، وتجدد الأدوات في كل مؤتمر، وهذه التجربة تُعيد تشكيل وعيهن وتمنحهن مهارات لا تُدرس في القاعات، فيمتلكن على أثرها مهارات ميدانية حقيقية في التعامل مع الحدث، ويستطعن بناء محتوى واقعي من صور ومقابلات وملاحظات، بل تفهم كل منهن العلاقة بين الإعلام وبقية القطاعات الأخرى وحتى علاقته بصناعة القرار، كما يندمجن في بيئة عالمية تتجاوز حدود الجامعة وتتعلَّّم كل منهن بناء علاقاتها المهنية التي تفتح أمامها المستقبل.
أستاذ الإعلام هو الحلقة التي تربط بين الميدان والمقرر الجامعي لأنه لا يُدرس إعلامًا، بل يصنع إعلاميين قادرين على رفع قيمة الوطن عبر الكلمة والصورة والصوت، بل يستطيع أستاذ الإعلام أن يكون حلقة وصل بين الطالب والجهات المشاركة في المؤتمرات فيمنحهم فرصة التدريب والتطوع وحتى الوظيفة المستقبلية وهي فرص لا تتاح في التعليم التقليدي.
فالتغطيات الميدانية في المؤتمرات والمعارض يا سادة ليست مهمة صحفية فقط، بل هي مسؤولية وطنية، ورسالة مهنية، ورؤية تُبنى عليها القرارات المصيرية للوطن بإستراتيجية عالمية.