جارٍ التحميل...
جارٍ التحميل...

في المنطقة الرمادية، وفي الأزمنة الصعبة، تختلط الأمور على كثيرين؛ فتضيع الحدود بين الوطني والإنساني، وبين الاختلاف السياسي المشروع والانتهازية، وبين النقد المسؤول والتوظيف السياسي للأزمات. ولعل ما يجري حول غزة اليوم يمثل واحدة من أكثر اللحظات التي تستدعي وضوح الرؤية، ودقة التمييز، ويقظة البوصلة الوطنية. فغزة ليست مجرد مأساة إنسانية تنتظر الإغاثة، رغم أن إنقاذ أهلها وإغاثتهم وإعادة إعمار ما دمره العدوان واجب إنساني وأخلاقي لا يحتمل التأجيل. لكنها، في الوقت ذاته، جزء أصيل من الوطن الفلسطيني، وقضيتها جزء من القضية الوطنية برمتها؛ وشعبها ليس مجرد ضحايا ينتظرون المساعدات، وإنما شعب صاحب حق في الحرية والكرامة والاستقلال وتقرير المصير وإقامة دولته الفلسطينية المستقلة. ومن هنا تبدأ الخطورة عندما يجري، تحت عناوين الإنسانية أو الواقعية أو الضرورات السياسية، فصل غزة عن سياقها الوطني، أو تحويل مأساتها إلى مدخل لإعادة تشكيل المشهد الفلسطيني بعيداً عن الإرادة الوطنية الجامعة. فالإنسانية لا تتعارض مع الوطنية، وإغاثة الإنسان الفلسطيني لا تعني إسقاط حقوقه الوطنية، كما أن البحث عن حلول لمعاناة غزة لا ينبغي أن يتحول إلى غطاء لمشاريع سياسية تنتقص من وحدة الشعب والأرض والقضية. وفي مثل هذه الأجواء المضطربة، تظهر من تحت الطاولة الفطريات السياسية؛ تنمو في العتمة، وتتغذى على الأزمات والانقسامات والفراغات، ثم تحاول الظهور في اللحظة التي يكون فيها المشهد الوطني أكثر هشاشة، لتقدم نفسها بوصفها بديلاً أو وسيطاً أو ضرورة سياسية. لكن علينا أن نكون منصفين ودقيقين: ليس كل اختلاف خيانة، وليس كل نقد تآمراً، وليس كل مبادرة سياسية تفريطاً، وليس كل من يختلف معنا خصماً للوطن. فالاختلاف السياسي حق، والنقد ضرورة، وتعدد الاجتهادات ظاهرة صحية في أي حركة وطنية حية. غير أن الخط الفاصل يبدأ عندما تتحول الأزمة الوطنية إلى فرصة لمشاريع شخصية أو فئوية أو إقليمية، وعندما يصبح الألم الفلسطيني سلعة سياسية، أو تصبح المأساة منصة للصعود على حساب وحدة الشعب وحقوقه ومشروعه الوطني. ولهذا فإن المعيار الحقيقي ليس في الشعارات، ولا في ارتفاع الأصوات، ولا في ادعاء احتكار الوطنية، وإنما في الموقف والممارسة والنتائج: هل يخدم الموقف وحدة الشعب الفلسطيني أم يكرّس انقسامه؟ هل يحمي القرار الوطني المستقل أم يرهنه؟ هل يعزز منظمة التحرير الفلسطينية إطاراً وطنياً جامعاً، أم يبحث عن بدائل لها من خارج الإرادة الوطنية؟ هل يتمسك بحق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة على حدود الرابع من حزيران/يونيو 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، أم يجري تدريجياً اختزال القضية في ترتيبات إنسانية أو أمنية أو إدارية؟ وهل ينظر إلى غزة باعتبارها جزءاً لا يتجزأ من فلسطين، أم باعتبارها ساحة منفصلة قابلة لإعادة تشكيلها وفق خرائط الآخرين؟ هنا تتضح البوصلة، وهنا أيضاً تتساقط الأقنعة. غزة تحتاج إلى الإغاثة، وإلى وقف العدوان، وإلى إعادة الإعمار، وإلى الحياة؛ لكنها تحتاج، بالقدر ذاته، إلى حماية هويتها الوطنية ومكانتها في المشروع الوطني الفلسطيني، حتى لا تتحول الكارثة الإنسانية إلى مدخل لتصفية القضية أو تفكيك وحدتها الجغرافية والسياسية. وفي الزمن الصعب، لا يكفي أن نرى ما يظهر فوق الطاولة؛ علينا أن نقرأ أيضاً ما يتحرك تحتها. فهناك من يعمل في وضح النهار لإنقاذ الإنسان والوطن، وهناك من ينتظر في العتمة أن ينضج الجرح، كي يخرج منه بحثاً عن دور أو موقع أو سلطة. والمسؤولية الوطنية اليوم تقتضي ألا نسمح للعتمة بأن تحجب الحقيقة، ولا للأزمة أن تعيد تعريف الثوابت، ولا للمعاناة أن تصبح جسراً تعبر فوقه المشاريع العابرة للوطنية. ففلسطين أكبر من الفصائل، وأبقى من الأشخاص، وأعمق من اللحظة السياسية العابرة. ومن أجل ذلك، فإن المطلوب ليس إسكات الاختلاف، وإنما تنظيمه داخل الإطار الوطني؛ وليس تخوين المعارضين، وإنما كشف الانتهازية؛ وليس رفض المبادرات، وإنما إخضاعها لمعيار المصلحة الوطنية الفلسطينية. في المنطقة الرمادية، حيث تختلط الألوان وتضطرب البوصلة، يصبح الوضوح الوطني مسؤولية. أما الفطريات السياسية، مهما نمت في الظلام، فإنها لا تستطيع أن تصبح شجرة وطنية؛ لأن الشجرة الوطنية جذورها في الأرض، وساقها في التاريخ، وثمرتها حرية فلسطين واستقلالها ووحدة شعبها.

كل يوم يمر تحت العقوبات والحصار يضغط على إيران أكثر، لكنه في الوقت نفسه يقرب ترمب ونتنياهو من استحقاقين انتخابيين لا يحتملان كثيراً من المفاجآت. هنا تكمن مفارقة المرحلة: الوقت يرهق طهران اقتصادياً، لكنه يحرج خصومها سياسياً. ومع تضاؤل قدرتها على الاحتمال، قد ترى إيران أن الأسابيع المقبلة ليست وقت التراجع، بل اللحظة الأنسب لرفع مستوى التصعيد ومحاولة كسر الخناق. المؤشرات الاقتصادية لا تمنح إيران كثيراً من الراحة. فقد هبطت شحنات خامها إلى نحو 260 ألف برميل يومياً، بعدما كانت 1.7 مليون قبل عام، فيما يقترب التضخم من 70 %، وتتراجع قدرتها على الحصول على العملات الأجنبية. وتواصل واشنطن توسيع العقوبات وملاحقة البنوك والشركات وشبكات الالتفاف التي تساعد طهران على تمويل تجارتها النفطية. ولم يعد الضغط أمريكياً وحده. أوروبا أعادت تفعيل عقوباتها المرتبطة بالبرنامج النووي الإيراني، ومعها تضيق المساحة المالية والتجارية أمام طهران أكثر، فيما يتقدم مسار آخر لا يقل حساسية: الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وألمانيا تدفع نحو إحالة الملف الإيراني مجدداً إلى مجلس الأمن عبر مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية، في أول خطوة من هذا النوع منذ نحو 20 عاماً. كل ذلك يجعل عامل الوقت أكثر إزعاجاً لطهران. استمرار الحال يعني استنزافاً اقتصادياً متراكماً، وضغطاً أكبر على الداخل، وتراجعاً متواصلاً في قدرة السلطة على تمويل احتياجاتها. لكن إيران تنظر في المقابل إلى ساعة أخرى تتحرك لدى خصومها. إسرائيل مقبلة على انتخابات في 27 أكتوبر، والولايات المتحدة على انتخابات التجديد النصفي في 3 نوفمبر. وترمب يعرف أن اتساع الحرب وارتفاع أسعار النفط والوقود لا يخدمانه انتخابياً، فيما يدخل نتنياهو استحقاقه تحت ضغط سنوات من الحرب وأسئلتها الأمنية والسياسية. هنا تحديداً قد ترى إيران نافذتها، ومضيق هرمز هو أكثر أوراق هذه المعادلة حساسية. ففي 3 سبتمبر عبرت 4 سفن سلع فقط المضيق، مقابل متوسط بلغ نحو 15 سفينة خلال الأيام العشرة السابقة، وفي الوقت نفسه أنهى خام برنت الأسبوع عند 92.68 دولاراً للبرميل، مرتفعاً 7.6 % خلال أسبوع. وكل توتر هناك يستطيع أن يحول الضغط على إيران إلى فاتورة أوسع يدفع جزءاً منها الاقتصاد العالمي، ويشعر بها الناخب الأمريكي في أسعار الوقود والتضخم. وهنا يصبح التصعيد خياراً مفهوماً في الحساب الإيراني، لا باعتباره طريقاً إلى حرب شاملة، وإنما محاولة لرفع كلفة الخناق على الطرف الذي يفرضه. فإيران تعرف أن الانتظار يرهقها، لكنها تعرف أيضاً أن خصومها قد يكونون أقل استعداداً الآن لتحمل تبعات مواجهة أوسع. ومع ذلك تبقى المجازفة شديدة الخطورة. فالتصعيد المحدود قد يمنح طهران ورقة ضغط، لكن سقوط أعداد من الأمريكيين أو الإسرائيليين قد يمنح ترمب ونتنياهو، على العكس، المبرر السياسي الذي يحتاجانه لتوسيع الحرب. لهذا ربما لا يكون السؤال: هل تريد إيران جولة جديدة من الحرب؟ الأرجح أنها تعرف كلفتها جيداً. السؤال الأهم: هل وصلت إلى قناعة بأن استمرار الخناق أصبح أخطر عليها من قرار التصعيد؟ إيران تواجه ساعة اقتصادية تضيق عليها، فيما تقترب ساعة الانتخابات لدى خصومها. وبين الساعتين قد يُتخذ القرار.