جارٍ التحميل...
جارٍ التحميل...
سعدون مطلق السوارج08/09/2026
في الأزمات الكبرى، لا تُقاس قوة الدول بما تقوله في لحظة الغضب، وإنما بما تملكه من خيارات، وما تستطيع أن تفعله حين تضيق الخيارات أمام الآخرين. ومن هذه الزاوية تبدو المملكة العربية السعودية دولةً تقرأ المشهد بأفق أوسع من حدود اللحظة؛ فلا تجعل التصعيد غايتها، ولا تسمح في الوقت نفسه بأن يتحول الاضطراب الإقليمي إلى مساس بأمنها أو مصالحها أو مكانتها.
المملكة تختار التهدئة من موقع قوة، لا من موقع حاجة؛ وتفتح أبواب الحلول السياسية وهي تملك في الوقت ذاته أدوات الردع، وعمق التحالفات، وثقل المكانة الدولية التي تحمي قرارها ومصالحها.
وهنا تكمن إحدى أهم سمات الدولة السعودية الحديثة: أنها لا تفصل بين القوة والحكمة، ولا ترى في الدبلوماسية بديلًا عن القدرة، بل تجعل الدبلوماسية إحدى أدوات القوة نفسها.
وجاءت التطورات الأخيرة لتؤكد هذا النهج. فقد أدانت المملكة استهداف الناقلة السعودية «سدر» أثناء عبورها مضيق هرمز، وما أسفر عنه الهجوم من وفيات بين أفراد طاقمها، كما أدانت الهجمات الإيرانية على الأردن والبحرين والكويت، وأكدت تضامنها الكامل مع الدول الشقيقة، داعيةً إلى وقف التصعيد واحترام أمن الملاحة وإمدادات الطاقة وسيادة الدول والقانون الدولي، والعودة إلى التفاوض والحلول السلمية.
وهذه ليست لغة دولة تبحث عن مخرج من المشهد، بل لغة دولة تعرف أن حماية المصالح لا تعني بالضرورة دفع المنطقة إلى مزيد من النار. فالدولة القوية هي التي تستطيع أن تحمي خطوطها الحمراء، وتدير أدواتها السياسية والدبلوماسية، وتختار التوقيت الذي يخدم أمنها واستقرارها ومصالحها.
ولذلك فإن استهداف «سدر» لم يكن حادثًا يخص سفينة سعودية فحسب؛ فمضيق هرمز أحد أهم الممرات البحرية المرتبطة بتدفقات الطاقة والتجارة العالمية، وأي استهداف للملاحة فيه يتجاوز حدود الدولة التي ترفع السفينة علمها إلى أمن الاقتصاد العالمي نفسه. وقد وصف مجلس التعاون الخليجي الهجوم بأنه تصعيد خطير وانتهاك للقانون الدولي وتهديد مباشر لسلامة الملاحة والتجارة العالمية، مؤكدًا وقوفه إلى جانب المملكة في حماية أمنها ومصالحها.
وهنا يظهر البعد الآخر للقوة السعودية: أن أمن المملكة لا يقف عند حدودها الجغرافية، بل يرتبط بعمق خليجي واستقرار إقليمي وشبكة واسعة من المصالح والشراكات.
فحين تتعرض الكويت أو البحرين أو الأردن لاعتداء، تقف المملكة في الصف الأول سياسيًا إلى جانبها. وحين تتعرض السعودية لاعتداء، يجد الموقف نفسه سندًا خليجيًا واضحًا. وقد أكد مجلس التعاون أن الهجمات الإيرانية على الكويت والبحرين والأردن تمثل انتهاكًا صارخًا للسيادة وتهديدًا مباشرًا للأمن والاستقرار، مجددًا وقوفه إلى جانب الدول الثلاث في حماية سيادتها وأمنها وسلامة شعوبها والمقيمين فيها.
وهذا هو المعنى الحقيقي للمنظومة الخليجية: ليست مجرد بيانات تضامن، وإنما عمق إستراتيجي تتكامل داخله المواقف والمصالح والأمن.
وفي موازاة ذلك، وسّعت المملكة خلال السنوات الأخيرة دوائر شراكاتها الإستراتيجية، ولم تحصر علاقاتها الدفاعية والسياسية في اتجاه واحد. ويأتي اتفاق مكة للدفاع المشترك مع تركيا وباكستان ضمن هذا المسار، بما يحمله من دلالة على بناء شراكات قادرة على دعم السلام والاستقرار الإقليميين. وفي 31 أغسطس، أكد اجتماع اللجنة السياسية الدفاعية الإستراتيجية للاتفاق في إسطنبول استمرار العمل المشترك من أجل سلام واستقرار دائمين في المنطقة.
وهذه الشراكات لا تُقرأ منفصلة عن التحول الأوسع الذي تشهده المملكة؛ فالقوة السعودية اليوم منظومة متكاملة: اقتصاد يتوسع، ومؤسسات تتطور، وقدرات دفاعية تتعزز، وشراكات دولية تتسع، وحضور سياسي ودبلوماسي يزداد تأثيرًا. ولذلك أصبح القرار السعودي يمتلك مساحة واسعة من الخيارات، وهي إحدى أعلى درجات القوة التي يمكن أن تبلغها الدول.
ومن هنا يمكن فهم النهج الذي تقوده المملكة في التعامل مع الأزمات: القوة لا تعني أن تكون المواجهة هي الخيار الأول، وإنما أن تكون الدولة قادرة على حماية أمنها إذا فُرضت عليها الخيارات الصعبة، وقادرة في الوقت نفسه على فتح طريق للتهدئة حين ترى أن ذلك يخدم الاستقرار والمصلحة.
وهذا النهج ينسجم مع رؤية القيادة السعودية، بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، وسمو ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، التي أعادت بناء مفهوم القوة السعودية على أساس أوسع من الأدوات العسكرية وحدها؛ قوة اقتصادية واستثمارية وتقنية ودبلوماسية، إلى جانب القدرة الدفاعية والتحالفات الإستراتيجية.
ولعل أهم ما تكشفه هذه المرحلة أن المملكة لم تعد تتعامل مع الأزمات باعتبارها أحداثًا منفصلة، بل باعتبارها اختبارات لقدرة الدولة على حماية مصالحها وصياغة ما يأتي بعد الأزمة. وهذه، في قراءة التاريخ، هي المسافة التي تفصل الدولة التي تتفاعل مع الأحداث عن الدولة التي تصنع أثرها في مسارها.
إن السعودية اليوم لا تحتاج إلى الصخب كي تُعرّف بقوتها؛ فالوقائع تتحدث عنها. وحين تجتمع القدرة الدفاعية مع التحالفات، والدبلوماسية مع الثقل الدولي، والاقتصاد مع الاستقرار، يصبح القرار السعودي أوسع من رد الفعل وأعمق من لحظة التصعيد.
فالقوة السعودية ليست في أن تكون الحرب خيارها الأول؛ قوتها الحقيقية أن تكون قادرة على جعل السلام خيارًا ممكنًا، والردع خيارًا حاضرًا، والتحالف خيارًا ثابتًا.
وتلك هي السعودية: دولةٌ لا تبحث عن القوة لتُثبت حضورها، بل امتلكت من الحضور والقوة ما يجعل التهدئة قرارًا سياديًا، والردع حقيقةً قائمة، والسلام خيارًا تحميه دولة تعرف جيدًا كيف تحمي أمنها ومصالحها.