جارٍ التحميل...
جارٍ التحميل...

بعض من هم في مقتبل الشباب، عندما يقتني سيارة، لا يبالي بقيادتها؛ إما بالسرعة الزائدة، أو التفحيط في الشوارع العامة، مع انشغاله بالجوال، رغم الأنظمة المرورية الحديثة في رصد المخالفات وتحصيل غراماتها. في المدينة المنورة، ينبض طريق الدائري الثاني كخط حيوي ورابط للسائقين بين مختلف الطرق، ويشهد زحامًا أكثر من المعتاد، رغم مساراته الثلاثة، وكم من حادثٍ وقع فيه نتيجة السرعة الزائدة وتجاوز الخط الأصفر. في الفترة الماضية، وعلى مدار أكثر من ستة أشهر، سمعنا عن الكثير من الحوادث المرورية التي وقعت، ذهب ضحيتها أنفس بريئة، بسبب طيش شاب لا يبالي، وسرعة جنونية متهورة، ومخالفة صريحة لأنظمة السلامة المرورية. المؤلم في هذه الحوادث ضحاياها مِن شباب في مقتبل العمر، كالزهور المتفتحة، شباب هُم مُدخر وطن في العطاء، حُصدت أرواحهم في غمضة عين، والأشد ألمًا حسرة أهاليهم عليهم؛ ما بين صدمة الحادث ووقوعه، وما بين حسراتٍ وفَيضٍ من البكاء والعبرات. وهذا الهدر لأرواح الأبرياء في هذه الحوادث، سببه الاستخفاف بأنظمة القيادة المرورية، وعدم إدراك خطورة مخالفتها على حياة الآخرين. حديثنا اليوم ليس عن الشباب فقط، بل يمتد إلى بعض قائدي الشاحنات، والمخالفة الصريحة بدخولها المدن في أوقات الذروة، وما بين السرعة المتهورة، وكأن الطريق الذي يسلكونه ملكٌ لهم وحدهم، ولا سيما في طريق الدائري الثالث. وقفةٌ صادقة يجب أن يقفها الجميع أمام هذه الممارسات، في ظل نظام ساهر الذي حدّد ضوابط وغرامات مالية لكل مخالف لا يعبأ بأنظمة المرور. وكُلنا أمل في الإدارة العامة للمرور بالمدينة المنورة، بمواصلة جهودها في التوعية المرورية، وتعزيز حضورها الميداني في الشوارع، ورصد المخالفين وردعهِم، قبل وقوع المزيد من الحوادث والعديد من الضحايا. ولنتذكر أن حياة الإنسان ليست مجالًا للمغامرة، والطريق مسؤولية مشتركة، والالتزام بأنظمة المرور ليس مجرد مخالفة تُرصد أو غرامة تُسدّد، بل هو حفاظ على أرواح بريئة، وأسر تنتظر عودة أبنائها سالمين من كل مكروه. ختامًا، المرور السعودي في حسابه في تويتر حذر من مخاطر عدم ترك مسافة آمنة لتفادي الاصطدامات نتيجة التوقف المفاجئ أو تغير سرعات المركبات خصوصًا في الطرق المزدحمة، والتي تُحتم علينا أن يكون شعارنا فيه الجدية من القيادة «قد نصل متأخرًا.. لكن الأهم أن نصل سالمين».

تحتفظ الصور القديمة بقدرة عجيبة على استعادة ما غاب من الذاكرة؛ فصورة واحدة قد تفتح باباً واسعاً على مرحلة كاملة، وتعيد إلى الواجهة أسماء رجال ومواقف وأحداثاً كان لها حضورها، ثم أخذت السنوات تمضي بها بعيداً عن الذاكرة اليومية؛ ومن بين الصور التي استوقفتني مؤخراً، مجموعة توثق لقاءً جمع معالي الدكتور محمد الأحمد الرشيد، وزير التعليم ورئيس جمعية الكشافة العربية السعودية آنذاك - رحمه الله - بالقيادات الكشفية السعودية المشاركة في قيادة وتنظيم المخيم الكشفي العربي الرابع والعشرين، الذي استضافته المملكة العربية السعودية في مدينة الملك فهد الكشفية بالحوية بمحافظة الطائف خلال الفترة من 16 إلى 28 ربيع الآخر عام 1421هـ؛ وكان اللقاء قبيل انطلاق المخيم، بحضور المشرف العام على المخيم معالي الدكتور خضر بن عليان القرشي، وقائد المخيم الدكتور عبدالله بن حيسون المسعودي، ومساعديه الأستاذ محمد القرني والأستاذ سعد العقيل، وفيه ظهرت ملامح العلاقة التي تجمع بين المسؤول وصاحب الميدان؛ حوار مباشر، واستماع إلى المقترحات، وثقة في القيادات المكلفة بالعمل؛ وبقيت شخصية الدكتور محمد الرشيد في تلك المناسبة حاضرة في الذاكرة بما اتسمت به من تواضع وروح تحفيزية، وهي صفات كان لها أثر في منح العاملين شعوراً بأنهم شركاء في المسؤولية، وليسوا مجرد منفذين لتوجيهات؛ وكان واضحاً كذلك حجم الثقة التي أولاها معاليه للدكتور خضر بن عليان القرشي، بما عكس مستوى الانسجام بينهما، وهو انسجام انعكس على العمل في مرحلة كانت تتطلب قدراً كبيرًا من التنسيق والدقة، خصوصاً أن المناسبة كانت تجمع مشاركين من عدد من الدول العربية والمملكة لأول مرة تستضيف ذلك الحدث. ومن المواقف التي بقيت في الذاكرة أن أحد المشاركين طرح خلال اللقاء مسألة تعويض العاملين عن جزء من إجازاتهم، نظراً إلى أن مدة المخيم تتزامن مع الإجازة الصيفية، وأن غالبية المشاركين كانوا من منسوبي قطاع التعليم؛ وقد أحال معالي الوزير الموضوع إلى الدكتور خضر، الذي تجاوب مع المقترح ومنح المشاركين ذلك التعويض؛ وفي اللقاء نفسه، طرح الأخ العزيز مليحان بن صالح المليحان مقترحاً يتعلق بمنح الكشاف أولوية في القبول بالكليات العسكرية، وقد لقي المقترح ترحيباً من معالي الوزير، الذي أبدى استعداده لمناقشته مع المسؤولين؛ لكن ما تكشفه هذه الصور بعد أكثر من ربع قرن لا يرتبط بالمواقف وحدها، بل يكشف أيضاً طبيعة منهج العمل الذي كان حاضراً في الإعداد للمخيم؛ فقد كان اختيار القيادات قائماً على الكفاءة والقدرة على أداء المهام، بحيث يتولى كل موقع من يملك مقومات النجاح فيه، بعيداً عن المجاملة التي قد تأتي أحياناً على حساب جودة العمل؛ فقد كان للقيادات الكشفية في تعليم الطائف دور بارز في الإعداد الأولي للمخيم، بقيادة الراحل صالح حلواني - رحمه الله - الذي بذل وفريقه جهداً كبيراً في التجهيز والإعداد، وأسهم ذلك، بعد توفيق الله، في الوصول إلى الجاهزية المطلوبة لاستضافة حدث كشفي عربي بهذا الحجم؛ كما كان للأخوة الزملاء عبدالله شويل وخالد الحقباني ومحمد العمري حضورهم في قيادة المعسكرات الفرعية، حيث تطلبت تلك المسؤوليات قدرة على التنظيم والمتابعة والتعامل مع التفاصيل اليومية التي تشكل في مجموعها صورة المخيم ونجاحه؛ وفي لجنة البرامج، قدم الزملاء بقيادة الأخ العزيز عقيل العقيل جهداً نوعياً في إعداد وتنفيذ البرامج، وهي من أهم المهام في أي مخيم كشفي؛ لأن نجاح البرامج هو الذي يمنح المناسبة مضمونها ويحول التجمع الكبير إلى تجربة تربوية وثقافية وإنسانية متكاملة؛ وكان للإعلام حضوره من خلال الفريق الذي قاده الأخ الفاضل محمد الطويان، حيث استطاع تقديم عمل إعلامي احترافي وفق الإمكانات المتاحة في ذلك الوقت، وتوثيق فعاليات المخيم والتعريف بها بما يتناسب مع أهمية المناسبة. وربما تبدو هذه التفاصيل اليوم بسيطة لمن لم يعش تلك المرحلة، لكنها بالنسبة لمن شارك فيها تحمل قيمة مختلفة؛ فنجاح أي مناسبة كبيرة لا يصنعه اسم واحد، وإنما تصنعه منظومة من الرجال، لكل واحد منهم موقعه ودوره ومسؤوليته، ويصبح الإنجاز في النهاية حصيلة جهد جماعي؛ وهذا ما جعل العودة إلى تلك الصور أكثر من مجرد استعادة لذكريات قديمة؛ إنها عودة إلى مرحلة كان فيها العمل الميداني هو اللغة التي تجمع الجميع، وكانت الكفاءة معياراً مهماً في توزيع المسؤوليات، وكان نجاح المناسبة هو الهدف الذي تتجه إليه الجهود. ومع مرور السنوات، تتغير المواقع، وتتبدل المسؤوليات، ويغيب بعض الرجال عن المشهد برحيلهم، لكن ما قدموه يبقى حاضراً في الذاكرة وفي الصور وفي أثر الأعمال التي شاركوا في صنعها. رحم الله الدكتور محمد الأحمد الرشيد، ورحم الله صالح إبراهيم حلواني، ورحم كل من رحل من رجال تلك المرحلة، وحفظ الله من بقي، وأدام بينهم المودة والوفاء. فبعض الصور لا تحتاج إلى شرح طويل؛ يكفي أن نتأمل الوجوه التي فيها لندرك أننا أمام جزء من تاريخ مرحلة، وذاكرة رجال، وقصة نجاح تستحق أن تُروى للأجيال.

الكلمة بطبيعتها حميدة إلا أن نغزة الشيطان أو (نزغ/ نخس الشيطان) الوسوسة، أو الطعنة والحركة الخفيفة التي يلقيها الشيطان في قلب الإنسان أو جسمه لإغضابه أو دفعه للمعصية لتخرج معها الكلمة الخبيثة..!! الحروب الكبرى في التاريخ لم تشتعل بالرصاص بل بالكلمات وإن كانت خبيثة..!! التباهي والغطرسة والتحدي تبدأ بكلمة أو كلمات.. (فكليب بن ربيعة ملك العرب ) حينما قال لخالته البسوس متباهياً: «لا أحد يجرؤ أن يرعى إبله في حماي» فسمعت البسوس الكلمة فذهبت لابن أختها جساس وهمست له لقد أذلنا كليب». فغضب جساس من كلمة «ذل». فتتبع كليب حتى قتله غدراً. فقامت بما يسمى [حرب البسوس] بين بكر وتغلب، التي استمرت أربعين سنة، سالت فيها دماء الآلاف، وقُتل فيها الملوك، وكلها بسبب كلمة وهمسة امرأة. فإذا كانت الدول العظمى تتحارب بسبب كلمة.. فكيف ببيتك؟ بزوجتك؟ بصاحبك؟ فهل يستهان بالكلام؟! نعلم أن أغلى شيء في الحياة هو الكلام، فالله سبحانه خلق الكون بكلمة: «كن». ويدخل الناس الجنة بكلمة «لا إله إلا الله». ويدخلون النار بكلمة شرك أو نفاق أو كذب وكذلك بالغيبة، أو شتم أو تلفيق التهم الشيطانية من أجل مصالح دنيوية ولغرض تشويه سمعة أخيه المسلم وغيرها من الكلمات الماجنة التي يذمها ديننا الإسلامي الحنيف...!!! الكلمة الخبيثة لا تحتاج إلا لقلب حاقد وحاسد. ولسان بلا ضمير... وهي كالرصاصة إن لم تقتل فإنها «تدوش». تبقى الكلمة الخبيثة على طرف لسان صاحبها وكأنها تقول له دعني حتى تخرج وهي مليئة بسموم الألفاظ الجارحة والأكاذيب الماجنة ومن الشتم والاتهام وسوء الظن الذي قد يدمر أسمى العلاقات المتماسكة وتقطع فيها صلة الرحم حتى تغدو كالجبال مهلكة لا يحمد عقباها. فكم من كلمة قالها شخص في لحظة غضب، ونام مرتاحاً، ومن أصابته لم ينم وهو يعيدها في رأسه: «كيف ينتقم». علاقات انقطعت بسبب كلمة، أب أو أم يقطع ابنه زمناً أو أخوان تقاطعا سنين حتى الوفاة أو زوجة طُلقت بسبب كلمة نافق فيها عدو نقلت إليهم زوراً وبهتاناً. بيوتنا اليوم مليئة بجرحى الكلمات، وفي المصحات النفسية ومنهم من فارق الحياة ودفنت أسراره معه التي لا يعلمها إلا الله الذي يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى. منهم نراهم بيننا وفي مجالسنا صامتين بل يبتسمون وهم مجروحون من الداخل. فلا تحرك لسانك لتعجل به، فإما أن تنطق بكلمة طيبة وتعلو بها أو بكلمة خبيثة ينزف قلب بسببها طول العمر. احفظ لسانك.. تحفظ أمة فالكلمة الطيبة بلسم والخبيثة كالرصاصة.

«سِعد» هذا الطريق الذي يعد من الطرق الرئيسة في المملكة، لربطه الأحساء الحبيبة بالعاصمة الرياض، كما يعد من الطرق المهمة في تسهيل نقل البضائع التجارية من وإلى بعض دول الخليج، بالإضافة إلى حركة التنقل للأفراد من أهالي الأحساء وقطر والإمارات وعُمان فهو يسير في صحراء الدهناء ذات الكثبان الرملية الرائعة التي تشاهدها طوال فترة النهار، وإن كنت من عشاق السفر برًا فسوف تنبهر من تلك المناظر الخلابة على جنبات الطريق الممتدة حتى وصولك إلى الأحساء قادمًا من الرياض. لكن! كن حذرًا، بل شديد الحذر، من أن تعتمد على اللوحات المرورية الموجودة هناك، فهي بالأصح كالسراب؛ كلما اقتربت منها زادتك حيرة، بل هي كالمتاهة، وعليك أن تعثر على الوجهة التي تريد، ولربما تعود إلى الرياض قبل وصولك منتصف الطريق! وحقيقة الأمر أن طريق «سعد» يفتقر إلى الكثير من اللوحات المرورية والإرشادية، بل حتى الرسومات المرورية الأرضية التي ترشد المسافرين ليلًا، هذا فضلًا عن بعض «الدورانات للخلف» الموجودة بكثرة هناك والمسببة للكثير من الحوادث، بالإضافة إلى أن الطريق يفتقد إلى خطوط المسارات التي تساعد السائقين على معرفة مسارهم والخطر الأكبر يكمن في أنه لا يوجد سياج فاصل بين الطريق المؤدي إلى الرياض والآخر المؤدي إلى الأحساء. ومن هنا، يرجى من الجهات المعنية زيادة جرعة الاعتناء بذلك الطريق، والعمل على صيانته بشكل دوري، ودراسة المسببات التي أدت إلى وجود لوحات خالية من العبارات الإرشادية، وأخرى لم يتبق منها سوى نصفها، والنصف الآخر ذهب أدراج الرياح حيث اللا عودة، وجعل المسافرين تائهين ضائعين -كما هو الحال-. ولولا «قوقل ماب» لما وصلت إلى وجهتي، فوجود اللوحات الإرشادية الواضحة ليس ترفًا، وإنما ضرورة يحتاجها المسافر، خصوصًا في الطرق الطويلة التي تتطلب وضوحًا في الاتجاهات والمسارات. إن اللوحات المرورية عملية حيوية لضمان سلامة وفاعلية حركة المرور، فبعض الطرقات بحاجة إلى إعادة النظر فيها والوقوف عليها من قبل وزارة النقل والخدمات اللوجستية. فالطرق الآمنة والمصونة جيدًا تسهم في تقليل الأضرار التي قد تحدث للبنية التحتية من جراء الحوادث المرورية، كما أن الاهتمام بسلامة الطرق يزيد من عمرها الافتراضي. وليس هذا فحسب، بل إن الاهتمام بالطرق له تأثير بالغ على الالتزام بالقوانين المرورية العامة، حيث إن الطرق الآمنة ذات اللوحات الإرشادية الواضحة والمتطورة تساعد في زيادة الوعي المروري لدى الأفراد، وتجعل رحلة المسافر أكثر أمنًا ووضوحًا، بدل أن تتحول بعض الرحلات إلى رحلة بحث عن الطريق قبل أن تكون رحلة وصول إلى الوجهة. X: @alihassoun3

في مساء يوم عادي، جلس رجل إلى مائدة العشاء، وأمامه هاتفه الذي لم يهدأ طوال اليوم، رنّ هاتفه مرة أخرى، فأجاب عن رسالة سريعة، ثم فتح تطبيقًا ليرى إشعارًا، وانتقل إلى خبر، ثم إلى مقطع قصير، وحين رفع رأسه وجد أن الطعام أمامه قد برد. سأله ابنه: «هل لديك وقت أن تجلس معنا قليلًا؟» فأجاب، دون أن يفكر كثيرًا: «ليس لدي وقت اليوم». قالها وهو يواصل النظر إلى الشاشة. بعد دقائق، انتهى العشاء، وبقي الهاتف معه. «ليس لدي وقت»... ربما تكون أكثر الجمل التي نكررها في أيامنا دون أن نتوقف كثيرًا عند معناها. نقولها حين نعتذر عن لقاء، أو نؤجل كتابًا، أو نترك مكالمة بلا إجابة، أو نؤجل شيئًا نعرف في داخلنا أنه مهم. نقولها وكأن الوقت شيء نملكه ثم نفقده، أو كأنه يمر بنا دون أن يكون لنا فيه اختيار. لكن، هل المشكلة فعلًا أننا لا نملك الوقت، أم أننا لا نملك قرارنا بشأنه؟ الغريب أننا نجد وقتًا لأشياء لم نخطط لها، ونبقى أمام الهاتف ساعات دون أن نشعر، ونتابع أخبارًا لا تعنينا، وندخل في نقاشات لا نحتاجها، ثم نصل إلى نهاية اليوم ونحن نشعر أن شيئًا مهمًا لم يجد مكانًا في ساعاتنا. ربما لا يكون الوقت هو الذي ينقصنا دائمًا، بل الانتباه إلى أين نضعه. فالوقت لا يخبرنا بما يستحق أن نفعله. نحن الذين نفعل ذلك. وكل ساعة نمنحها لشيء ما تعني، بصورة غير مباشرة، أننا حجبناها عن شيء آخر. ولهذا فإن إدارة الوقت ليست في جوهرها مسألة جداول ومواعيد، بقدر ما هي مسألة اختيار: ماذا يستحق من عمري؟ وقد نكتشف، إذا تأملنا أيامنا، أن بعض ما نسميه «ضيق الوقت» ليس إلا ازدحامًا صنعناه بأنفسنا. نملأ اليوم بالمواعيد والرسائل والمهمات، ثم نتساءل لماذا لم نجد وقتًا لأنفسنا، أو لأهلنا، أو لكتاب نريد قراءته، أو لفكرة نريد أن نفكر فيها بهدوء. والأصعب من ذلك أن نستخدم عبارة «ليس لدي وقت» لتأجيل ما لا نريد مواجهته. نؤجل قرارًا لأن اتخاذه يحتاج إلى شجاعة، ونؤجل اعتذارًا لأن الاعتراف بالخطأ ثقيل، ونؤجل مشروعًا لأن بدايته تخيفنا، ثم نضع كل ذلك تحت عنوان يبدو منطقيًا: «ليس لدي وقت». وربما لهذا لا يكون السؤال دائمًا: كم ساعة نملك؟ فالناس جميعًا يستيقظون على يوم جديد بالقدر نفسه من الساعات، لكنهم لا يعيشونها بالطريقة نفسها. هناك من يجد ساعة للحديث مع شخص يحبه، وآخر يجد ساعات لمتابعة ما لا يعنيه، وهناك من يؤجل شيئًا مهمًا لسنوات لأنه ينتظر «الوقت المناسب». ربما يكون بعض التأجيل ضروريًا، وبعض الانشغال لا مفر منه، لكن هناك فرقًا بين أن يكون الإنسان مشغولًا بما اختاره، وأن يكون مشغولًا بكل شيء إلا بما يعنيه فعلًا. ولعل السؤال الذي يستحق أن نطرحه على أنفسنا ليس: «كم بقي لي من الوقت؟»، بل: «في ماذا يذهب الوقت الذي لدي؟». فالعمر لا يُقاس فقط بعدد السنوات التي نعيشها، وإنما بالأشياء التي منحناها من تلك السنوات. وقد نكتشف في النهاية أن المشكلة لم تكن أننا لم نملك الوقت، بل أننا امتلكناه طويلًا... ولم ننتبه إلى أين ذهب. «ليس لدي وقت» قد تكون أحيانًا جملة عن الوقت، لكنها في أحيان أخرى جملة عن الأولويات. @AnasChakkala

لم يكن للمملكة العربية السعودية، عبر تاريخها الطويل ومسيرتها الراسخة، أي مصلحة، ضيقة كانت أو عريضة، في أي نقطة دم تُراق دون حق في أي رقعة من العالم. فهذه الأرض التي قامت على مبادئ الحق والعدل، وحملت لواء خدمة الإسلام والسلام، كانت دوماً تؤمن بأن قيمة الإنسان وبقاءه وكرامته هي الغاية الأسمى التي تحصنها القيم وتصونها الأخلاق. إن التاريخ البشري مليء بالصراعات والأطماع التي أشعلتها نزوات السلطة وحسابات الربح والخسارة، حيث تُتخذ دماء الشعوب وقوداً لتلك المعارك العبثية. وفي مقابل هذا المشهد المظلم، شكّلت الدبلوماسية السعودية نموذجاً نادراً يرفض مقايضة الأرواح بالمكاسب السياسية العابرة. لقد أثبتت المواقف المتعاقبة لقيادتنا الحكيمة منذ ان وحد المغفور له بإذن الله الملك عبدالعزيز مروراً بالملوك البررة سعود وفيصل وخالد وفهد وعبدالله رحمهم الله جميعا وحتى هذا العهد الميمون بقيادة ملك الوفاء الملك سلمان بن عبدالعزيز حفظه الله وسدد على دروب العز والكرامة خطاه وولي عهده الأمين الأمير محمد بن سلمان دام عزه ثبتوا أن القوة الحقيقية للدولة لا تُقاس بقدرتها على إشعال الفتن، بل بقدرتها على إطفاء حروبها، وحقن الدماء، والوقوف بحزم ضد نزيف الإنسان أينما كان. وحين نمعن النظر في النهج السعودي، نجد أنه ينطلق من إيمان عميق بأن الاستقرار الإقليمي والعالمي ليس ترفاً سياسياً، بل هو ضرورة إنسانية. فلم تشارك المملكة يوماً في تأجيج الصراعات، ولم تكن أدواتها الدبلوماسية يوماً مطية لتدمير الأوطان أو تشريد الشعوب. بل على العكس تماماً، كانت ولا تزال اليد البيضاء التي تمد جسور الإغاثة، والمنبر الذي يجمع المتخاصمين على طاولة الحوار، والصوت العاقل الذي يذكّر العالم بأن ثمن الحروب باهظ، وأرواح الأبرياء أطهر من أن تُباع في أسواق المساومات السياسية. إن الموقف السعودي الثابت ضد إراقة الدماء ليس مجرد سياسة عابرة تمليها ظروف المرحلة، بل هو عقيدة راسخة وإرث أخلاقي متجذر في وجدان هذه الدولة ومواقفها المشرفة. وستظل المملكة، كما كانت دائماً، الحصن الحصين لكل مظلوم، والسند القوي لإرساء دعائم الأمن والسلام، إيماناً بأن الدم البشري غالٍ، وأن صناعة الحياة هي أسمى غايات البناء.

في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم، يثبت المجتمع السعودي يوماً بعد يوم أن تلاحمه والتفافه حول قيادته الرشيدة هو السد المنيع أمام كل التحديات. إن قيمة «الوفاء» في مجتمعنا ليست مجرد شعار نردده، بل هي عقيدة راسخة وميثاق غليظ تتوارثه الأجيال، تتجلى صورها في صدق الانتماء وعمق التكاتف بين القيادة والشعب. هذا الوطن العظيم، يمضي بخطى واثقة نحو المستقبل، مستنداً إلى همم رجاله المخلصين الذين لا يساومون على أمنه ومكتسباته. وكما تتجسد هذه المعاني النبيلة في الوجدان والأفعال، فإنها تفيض على ألسنة المحبين شِعراً يعبر عن هذا الشموخ والاعتزاز، حيث نقول: مَن يَمَس الدار يلقى ردى حاله دون حَد المملكة ترعد رعوده في ذرى سلمان نِعْمَ الملك وآله حاكمٍ بالعدل يوفي بمقصوده ومحمّد اللي كِلّ ما كُبرَت شاله سيف حقٍ يقهر الباغي وحسوده شعبنا يوم الوغى تَرخَص أمواله والأرواح فدى ثرى الدار وجنوده راية التوحيد بالعِز مختاله بيرقٍ خفّاق وافين بعهوده إن هذه الأبيات ليست سوى انعكاس بسيط لما يعتمل في صدورنا جميعاً من حب راسخ وولاء يقين. فالأوطان لا تُبنى وتحصّن فقط عبر الإنجازات المادية أو التطور العمراني، بل تُشيد أولاً وقبل كل شيء بروح التكاتف المجتمعي. واليوم، ونحن نرى المساعي الحثيثة للارتقاء بـ«جودة الحياة» في كافة مدننا ودفع عجلة التنمية المستدامة، يجب أن ندرك أن استدامة هذا النماء تتطلب منا جميعاً أن نكون سواعد تبني، وعقولاً تبتكر، لنحافظ على ازدهارنا. ختاماً، ستبقى رايتنا خفاقة، وسيبقى هذا الوطن شامخاً عزيزاً ما دامت قلوب أبنائه تنبض بالوفاء، وأفعالهم تترجم هذا الحب إلى عمل مخلص يُعانق طموحاتنا التي تعانق عنان السماء.

ليست المشكلة في استخدام بعض وكالات الأنباء العالمية للمصادر المجهولة أو شهادات شهود العيان، فذلك قد يكون ضرورة في الحروب والأزمات. المشكلة تبدأ عندما يتحول الاستثناء إلى نمط، وعندما تُبنى روايات سياسية وعسكرية واسعة على معلومات لا يستطيع القارئ اختبار مصدرها أو معرفة حدودها. أول مواطن الخلل هو ضعف الشفافية المصدرية، فعبارات مثل «مصادر مطلعة» أو «مسؤولون تحدثوا بشرط عدم الكشف عن هوياتهم، تمنح الصحفي معلومة، لكنها لا تمنح القارئ بالضرورة وسيلة للتحقق منها أو تقييم موقع المصدر ومصلحته. وثانيها الإفراط في الروايات أحادية المصدر أو محدودة المصادر، خصوصًا في الملفات الإيرانية والإقليمية. وثالثها توسيع شهادة شاهد العيان إلى استنتاج سياسي أكبر من حدود ما يستطيع إثباته؛ فالشاهد يصف ما رأى، لكنه لا يملك بالضرورة تفسير ما حدث أو خلفياته. ورابعها ضعف قابلية التحقق المستقل. فالخبر الصادر عن وكالة أنباء عالمية ينتقل سريعًا إلى عشرات المؤسسات، ثم يعود إلى الجمهور باعتباره حقيقة إعلامية راسخة، بينما يظل أصل المعلومة خلف ستار السرية. أما الخلل الخامس فهو التداخل بين الخبر والتحليل. فقد تبدأ المادة بمعلومة من مصدر مجهول، ثم تنتقل إلى تفسير لدوافع دولة أو تقدير لمسار صراع، دون أن يكون الفاصل بين المعلومة المؤكدة والاستنتاج واضحًا بما يكفي. تزداد حساسية هذه الممارسات في الملفات الإيرانية، حيث تتقاطع الحرب والدعاية والمصالح الإقليمية والدولية. ولذلك فإن أسماء مراسلي هذه الملفات، يجب ألا تكون معيار الحكم؛ فالصحفي يُقاس بما ينشره، وبمصادره، وبقدرته على عرض الروايات المتعارضة، لا بأصله أو هويته. المسألة إذن ليست اتهام كل تقرير بالخطأ، ولا القول إن كل مصدر مجهول غير موثوق. وإنما السؤال عن المعيار التحريري: هل يتناسب حجم الادعاء السياسي مع حجم الأدلة التي يستطيع المتلقي التحقق منها؟ وعليه، فإن الخلل المهني الذي يستحق المساءلة يتمثل في الإفراط في المصادر المجهولة، محدودية الشفافية، ضعف التحقق المستقل الظاهر، الاعتماد على روايات محدودة، وعدم الفصل الواضح أحيانًا بين نقل المعلومة وتفسيرها. فالوكالة التي تصنع الأخبار للعالم لا يكفي أن تطلب من الجمهور الثقة باسمها؛ بل عليها أن تجعل الأدلة هي التي تصنع الثقة. وفي النهاية، السؤال ليس: هل قالت وكالة الأنباء العالمية ذلك؟ بل: ما الذي يستطيع القارئ أن يتحقق منه بعيدًا عن الوكالة العالمية ومصادرها المجهولة؟