جارٍ التحميل...
تتجه أنظار العالم اليوم الأربعاء، إلى المملكة العربية السعودية، وهي تزهو بالرداء الأخضر والبهجة، محتفيةً بيومها الوطني؛ المناسبة التاريخية الخالدة التي توحدت فيها أرجاء هذه البلاد المباركة على يد الملك المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود، طيب الله ثراه، لتنطلق منذ ذلك اليوم مسيرة كبرى من البناء والنماء والاستقرار تواصل تدفقها الملهم تحت قيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، حفظه الله، وسمو ولي عهده الأمين رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز. وفي هذا اليوم الأغر، تحولت المناطق والمدن والمحافظات، وصولاً إلى القرى والمراكز الهجرية في مختلف أنحاء المملكة، إلى ساحات مفتوحة للاعتزاز والفخر؛ حيث تتوحد مشاعر المواطنين والمقيمين على حد سواء في التعبير عن الولاء والانتماء لوطن ينبض بالحياة والطموح. تجسد الاحتفالات العارمة التي تشهدها الشوارع والميادين، المتوشحة بالأعلام واللوحات الحاملة لشعار «عزّنا بطبعنا»، لوحة بشرية متناغمة تعكس العمق الثقافي والاجتماعي الفريد للإنسان السعودي الأصيل والترابط الوثيق بين كافة مكونات المجتمع. تأتي احتفالات هذا العام في الوقت الذي تقطف فيه المملكة ثماراً يانعة من مستهدفات رؤية السعودية 2030، حيث يشهد المتابع للحراك التنموي قفزات غير مسبوقة وتحولاً هيكلياً شاملاً أعاد صياغة ملامح الاقتصاد والمجتمع.
يصعب اختصار الأمير خالد الفيصل في منصب، على الرغم من كثرة المسؤوليات التي تولاها. فالرجل الذي أمضى عقودًا في الإدارة، وكتب الشعر، ورسم اللوحة، ورعى المؤسسات الثقافية، يقدم تجربة تستحق القراءة من زاوية سؤال مهم: ماذا تضيف الثقافة إلى رجل الدولة؟ في حالة خالد الفيصل، يمكن العثور على الإجابة في مسيرته. فالثقافة حاضرة في اختياراته ومبادراته، وفي اهتمامه بأن تكون للتنمية شخصية تعبر عن المكان وأهله. وهذه مسألة تتجاوز الذائقة الأدبية؛ لأنها تتصل بفهم وظيفة الإدارة، وما تستطيع أن تتركه في المجتمع بعد إنجاز الطرق والمباني. وُلد في مكة المكرمة عام 1940، ونشأ في بيت الملك فيصل، ثم تنقل في تعليمه بين الأحساء والطائف، وصولًا إلى دراسة العلوم السياسية والاقتصادية في أكسفورد. جمع تكوينه بين معرفة بيئته والانفتاح على العالم. ومن يقرأ هذه البدايات يستطيع أن يفهم كيف اجتمعت في تجربته المحافظة على الهوية والرغبة في التطوير. كانت عسير الاختبار الأطول. تولى إمارتها عام 1971، واستمر فيها حتى عام 2007. ستة وثلاثون عامًا تتيح النظر إلى تجربته من خلال تراكم العمل ونتائجه. ثم انتقل إلى إمارة منطقة مكة المكرمة، وتولى لاحقًا وزارة التربية والتعليم، قبل عودته إلى إمارة مكة عام 2015. وفي عسير، أخذ الاهتمام بالسياحة والثقافة صورًا عملية، من جائزة أبها إلى رعاية قرية المفتاحة والفنون التشكيلية. أهمية هذه المبادرات أنها وفرت مساحات للمبدعين، وربطت صورة المنطقة بما تملكه من طبيعة وتراث وقدرات بشرية. ويمكن قراءة ذلك بوصفه إدراكًا مبكرًا للقيمة التنموية للثقافة؛ فهي تصنع وجهة، وتمنح السكان اعتزازًا بمكانهم، وتفتح بابًا للنشاط الاقتصادي. هذه هي النقطة الجديرة بالتوقف. فالطبيعة الجميلة تمنح المنطقة فرصة، وتحويل الفرصة إلى قيمة مستمرة يحتاج إلى إدارة ومؤسسات وأفكار. وفي تجربة خالد الفيصل ما يستحق التقدير لهذا السبب تحديدًا: حضور رؤية تتسع للإنسان وموهبته، وتتعامل مع خصوصية المكان باعتبارها موردًا يمكن تنميته. وفي الجانب الآخر من شخصيته، يظهر الشاعر «دايم السيف»، صاحب الدواوين والقصائد التي وجدت طريقها إلى الغناء، والفنان الذي عرض لوحاته داخل المملكة وخارجها. وامتد هذا الاهتمام إلى العمل المؤسسي عبر مؤسسة الفكر العربي وجائزة الملك فيصل. ويمنح هذا التنوع سيرته وزنًا خاصًا؛ إذ جمع بين ممارسة الإبداع ورعاية البيئة التي تسمح للآخرين بممارسته. ومن الإنصاف عند تقييم رجل أمضى هذه السنوات في المسؤولية أن تكون الإشادة محددة بأسبابها. وخالد الفيصل يستحقها لطول خدمته، وتنوع عطائه، وإسهامه في منح الثقافة موقعًا في العمل العام. فالمبادرة الثقافية تحتاج إلى من يؤمن بها، ثم يمنحها شكلًا مؤسسيًا يساعدها على الاستمرار. وفي تقديري، فإن أهم ما تقدمه هذه السيرة هو معنى الاتساع في شخصية المسؤول: أن يعرف قيمة القرار، ويدرك في الوقت نفسه قيمة الفكرة؛ أن يهتم بما يُبنى في المدينة، وبما ينمو في عقول أهلها. لهذا يحتفظ خالد الفيصل بمكانته في التجربة السعودية. فقد منح الإدارة سنواته، ومنح الثقافة جانبًا أصيلًا من شخصيته، وترك بين المجالين أثرًا يستحق أن يُقرأ ويُقدَّر.