جارٍ التحميل...
جارٍ التحميل...

قرأت خبر جامعة الملك فهد للبترول والمعادن أكثر من مرة، ولم أتوقف كثيرًا عند الأرقام الواردة فيه 50 % للقدرات و50 % للتحصيلي الخاص بالجامعة وصفر لنسبة الثانوية بقدر ما توقفت عند السؤال الذي يختبئ خلف هذه الأرقام إذا كانت اثنتا عشرة سنة من التعليم المدرسي، وثلاث سنوات كاملة من المرحلة الثانوية لا تدخل في المفاضلة على المقعد الجامعي، فما القيمة التقويمية التي بقيت لشهادة المدرسة؟ السؤال لا يعني أن قرار الجامعة خاطئ كما أنه لا يعني أن نسبة الثانوية هي المعيار العادل الذي يجب الدفاع عنه مهما كانت مشكلاته، فلدينا بالفعل تفاوت بين المدارس في صعوبة الاختبارات وفي التصحيح وفي منح الدرجات، ولدينا تضخم في المعدلات جعل النسب المرتفعة شائعة إلى درجة أضعفت قدرتها على التمييز بين الطلاب، ولهذا يمكن فهم بحث جامعة قوية وتنافسية عن أداة أكثر استقلالًا تستطيع بها اختيار طلابها لكن فهم دوافع القرار شيء، واعتبار البديل معيارًا كاملًا للعدالة شيء آخر مختلف تمامًا. فالقدرات مهما بلغت جودة بنائه لا يستطيع أن يختصر الإنسان كله في نتيجة واحدة إنه يقيس جوانب محددة من الاستدلال والتحليل والقدرات اللفظية والكمية في ظروف اختبارية محددة، وهذه جوانب مهمة بلا شك لكنها ليست الطالب كله، ولا تقيس بالضرورة مثابرته وانضباطه وتطوره عبر السنوات وقدرته على البحث والعمل الطويل والتعلم من الخطأ، ولذلك فإن ارتفاع درجة طالب في اختبار القدرات لا يعني تلقائيًا أنه سيكون أفضل طالب جامعي كما أن انخفاض درجة آخر لا يعني أنه أقل ذكاءً أو أقل قابلية للنجاح. والسؤال نفسه ينسحب على الاختبار التحصيلي، فالطالب يدرس سنوات، ويمر بعشرات المقررات ومئات الدروس وآلاف الساعات داخل المدرسة ثم نطلب منه أن يستحضر جانبًا من حصيلته العلمية في جلسة اختبار محدودة بالساعات، وبعدها يصبح الرقم الناتج جزءًا حاسمًا في تقرير مستقبله، وفي هذا يحق لنا تربويًا أن نسأل دون أن نقلل من قيمة الاختبارات المعيارية هل ثلاث ساعات تستطيع أن تحكي قصة ثلاث سنوات؟ قد يقول قائل إن اختبارًا موحدًا أكثر عدلًا من درجات تصنعها مدارس متفاوتة، وهذه حجة لها وجاهتها لكن الجواب عنها ليس أن الاختبار الموحد كامل بل أنه يحل مشكلة ويصنع سؤالًا آخر، فالطالب الذي تدرب طويلًا على أنماط الأسئلة قد يملك أفضلية على طالب يمتلك معرفة جيدة لكنه أقل خبرة في التعامل مع الاختبارات الموقوتة، وقد يتأثر الأداء في يوم الاختبار بالقلق أو الإرهاق أو ظرف عابر، ولذلك فإن القياس التربوي الرصين لا ينبغي أن يحول أداة قياس واحدة إلى حكم نهائي على قدرة إنسان ومستقبله. وفي المقابل من الصعب الدفاع عن نسبة الثانوية بصورتها الحالية وكأنها المعيار المثالي، فإذا أردنا أن نقول للجامعات ثقوا بدرجات مدارسنا، فعلينا أولًا أن نجعل هذه الدرجات جديرة بهذه الثقة باختبارات أكثر ضبطًا، وتقويم أكثر عدالة، ومعايير تقلل الفروق غير الموضوعية بين مدرسة وأخرى؛ لأن الجامعة من حقها أن تسأل عن معنى 99 % إذا كانت هذه النسبة لا تحمل الدلالة نفسها في كل مدرسة. ولهذا أرى أن أهم ما في خبر جامعة الملك فهد ليس إلغاء وزن الثانوية بل أنه كشف مشكلة أكبر في العلاقة بين المدرسة والجامعة، فالمدرسة تقول للطالب طوال سنوات إن درجاته مهمة، والأسرة تلاحقه من أجل كل نصف درجة، والمعلم يقيس أداءه طوال العام ثم يصل الطالب إلى بوابة جامعة كبرى فيكتشف أن حصيلة الثانوية لا وزن لها في المفاضلة، وفي هذا تظهر فجوة تحتاج إلى نقاش وطني تربوي جاد ما وظيفة التقويم المدرسي إذا كانت الجامعة لا تثق به؟ وما وظيفة الاختبارات المعيارية إذا تحولت من أداة مساعدة إلى بوابة تكاد تختصر مستقبل الطالب؟ وربما يكون الطريق الأكثر توازنًا ألا نقدس الثانوية ولا نقدس القدرات والتحصيلي بل نبني قبولًا متعدد الأدوات يأخذ من السجل المدرسي ما يكشف الاستمرارية والاجتهاد، ومن الاختبارات المعيارية ما يحقق قدرًا من المقارنة العادلة، ويمكن للتخصصات شديدة التنافس أن تضيف اختبارات نوعية أو سنة تأسيسية تكشف قدرة الطالب في بيئة الجامعة نفسها، فكلما كان القرار مصيريًا كان من المنطقي ألا نعلقه على رقم واحد أو صباح اختبار واحد. إن جامعة الملك فهد من حقها أن تبحث عن الطالب الأنسب لطبيعة برامجها، ومن حق المجتمع في المقابل أن يقرأ التجربة ويسأل عن نتائجها لا عن بريقها فقط، وبعد عدة دفعات يمكن مقارنة من قُبلوا وفق النظام الجديد بمن سبقهم معدلاتهم الجامعية، تعثرهم، استمرارهم، قدرتهم على اجتياز السنوات الأولى، وعندها تتحدث البيانات بدل الانطباعات. المشكلة ليست في أن تصبح الثانوية صفرًا، ولا في أن تصبح القدرات والتحصيلي مئة، المشكلة أن نتصور أن مستقبل طالب أمضى سنوات في التعلم يمكن أن نعرفه كاملًا من نافذة واحدة. فالمدرسة لا ينبغي أن تكون اثنتا عشرة سنة تنتهي قيمتها عند بوابة الجامعة، والاختبار لا ينبغي أن يكون ساعات قليلة تحمل فوق أوراقها وزن مستقبل كامل، والعدالة الحقيقية ربما تبدأ عندما نتوقف عن البحث عن رقم واحد يحكم على الطالب، ونبدأ في بناء منظومة تستطيع أن ترى الطالب من أكثر من زاوية.

الرياض ليست مدينةً عابرة في جغرافيا المكان، ولا عاصمةً بالمعنى الإداري وحده؛ إنها قلب المملكة العربية السعودية، وعاصمة العرب والمسلمين، والقلب النابض للعروبة والإسلام والإنسانية، ورمزٌ لما تمثله المملكة من أمنٍ واستقرارٍ وثقلٍ سياسي وحضاري في المنطقة والعالم. ما تتعرض له الرياض من محاولات للاعتداء أو المساس بأمنها واستقرارها، أياً كان مصدرها أو شكلها، لا يمكن النظر إليه باعتباره استهدافاً لمكانٍ فحسب، بل هو اعتداء على رمزٍ من رموز الأمن والاستقرار، ومحاولة للمساس بطمأنينة مجتمعٍ كاملٍ اختار أن يجعل من الاستقرار أساساً للتنمية والبناء وصناعة المستقبل. لكن الرياض، كما المملكة كلها، ليست مدينةً سهلة المنال، ولا وطناً هشاً أمام العدوان. فقد بنت المملكة أمنها على قوة الدولة، وتماسك المجتمع، ووحدة الصف، والقدرة على حماية حدودها ومقدراتها، والتعامل مع التحديات بعقل الدولة وثباتها وحكمة قيادتها. إن أمن الرياض من أمن المملكة، وأمن المملكة جزء أصيل من أمن المنطقة واستقرارها. ولذلك فإن كل محاولة للمساس بها لن تغيّر من حقيقة راسخة: أن المملكة دولةٌ تعرف كيف تحمي أمنها، وتصون سيادتها، وتحافظ على استقرارها، دون أن تتخلى عن مسؤوليتها في دعم الأمن والسلام في محيطها والعالم. في هذه اللحظات، تبقى الرسالة الأهم هي أن الرياض ستظل، بإذن الله، مدينةً آمنةً مطمئنة، عصيةً على كل عدوان، وعصيةً على كل من يطمع في النيل من أمن المملكة واستقرارها. ستبقى الرياض شامخةً كما عهدها أهلها، مطمئنةً بأمنها، قويةً بتماسك شعبها، واثقةً بدولتها وقيادتها؛ وسيبقى قلب المملكة نابضاً بالحياة والبناء والأمل، مهما اشتدت التحديات. حفظ الله المملكة العربية السعودية، وأدام على الرياض أمنها واستقرارها، وحمى أرضها وشعبها، وأبقاها دائماً عاصمةً للعرب والمسلمين، وقلباً نابضاً للعروبة والإسلام والإنسانية.

ماذا يبقى من وطنٍ لا يعرف كيف يروي حكايته؟ السؤال ليس ترفًا ثقافيًا؛ فالأمم التي تفرّط في ذاكرتها تترك فراغًا سرعان ما تملؤه روايات الآخرين. لذلك، لا ينبغي أن يُختزل الموروث الثقافي في مناسبات عابرة، أو يُحاصر في المتاحف والكتب؛ لأنه أحد أهم روافد الهوية الوطنية ومصادر القوة الناعمة. المملكة لا تفتقر إلى الموروث؛ بل تمتلك ثراءً ثقافيًا وحضاريًا متنوعًا. والتحدي الحقيقي هو: كيف نحول هذا الإرث من ذاكرة محفوظة إلى قوة حاضرة تصنع المستقبل؟ وهنا يلتقي الموروث الثقافي مباشرة مع مستهدفات رؤية السعودية 2030؛ التي جعلت الثقافة والتراث جزءًا من بناء مجتمع حيوي، واقتصاد مزدهر، ووطن طموح، وربطت الحفاظ على التراث وتعزيز الهوية الوطنية بالتنمية الثقافية والاقتصادية للمملكة. ففي مستهدف مجتمع حيوي، لا تكون الهوية مجرد شعار، بل ممارسة ثقافية تعزز الاعتزاز بالوطن والانتماء إليه، وتحافظ على التراث الوطني وتنقله إلى الأجيال. ومن هنا يصبح الموروث وسيلة لبناء جيل يعرف جذوره، ويفهم قيم مجتمعه، ويعتز بهويته دون أن ينغلق عن العالم. وفي مستهدف اقتصاد مزدهر، لا يعود الموروث مجرد قيمة رمزية؛ بل يمكن أن يتحول إلى مورد اقتصادي من خلال الصناعات الثقافية والإبداعية، والحرف، والتصميم، والسياحة الثقافية، وإنتاج المحتوى، والفعاليات، والمنتجات المستوحاة من الهوية السعودية. أما وطن طموح، فيعني أن نمتلك القدرة على تقديم قصتنا للعالم بثقة، وأن تتحول الثقافة السعودية إلى إحدى أدوات حضور المملكة دوليًا وقوتها الناعمة. وهنا تكمن النقلة الأهم: المطلوب ألا نحفظ الموروث فقط، بل أن نستثمر فيه. فالحرفة يمكن أن تصبح صناعة إبداعية، والحكاية الشعبية محتوى عالميًا، والشعر ذاكرة رقمية، والعمارة مصدرًا للإلهام، والموروث بأكمله منصة للتعريف بالسعودية وثقافتها وقيمها. والأخطر من ضياع الموروث أن يتحول إلى ممارسة شكلية؛ نحتفي به في موسم، ثم نغادره حتى الموسم التالي. فمستهدفات الرؤية لا تُقاس بكثرة الاحتفاء، وإنما بقدرتنا على تحويل الثقافة إلى مشاركة، والمشاركة إلى إنتاج، والإنتاج إلى أثر مستدام. وهنا تأتي مسؤولية الأندية والمؤسسات والمبادرات الثقافية؛ فدورها لا ينبغي أن يتوقف عند إقامة الفعاليات، بل أن يسهم في تحقيق مستهدفات الرؤية عبر التوثيق، والبحث، والتعليم الثقافي، وتمكين المواهب، وإنتاج المحتوى، والترجمة، ودعم الإبداع، وربط الموروث بالاقتصاد الثقافي. فالهوية التي لا تتحدث بلغة عصرها قد تتحول إلى صورة باهتة في الذاكرة، بينما الهوية التي تعيد تقديم موروثها بإبداع تصبح أكثر قدرة على الاستمرار والتأثير. لقد تجاوز السؤال الثقافي مرحلة: كيف نحافظ على تراثنا؟ وأصبح السؤال الأكثر إلحاحًا: كيف نجعل تراثنا جزءًا من مستقبلنا؟ فالموروث الذي لا يتحول إلى وعي، يبقى ذاكرة. والموروث الذي يتحول إلى إبداع، يصبح قوة. والموروث الذي يتحول إلى اقتصاد وحضور عالمي، يصبح أحد روافع التنمية الوطنية. وهذه هي المعادلة التي تنسجم مع رؤية السعودية 2030: هوية وطنية أكثر رسوخًا، مجتمع أكثر حيوية، اقتصاد ثقافي أكثر ازدهارًا، ووطن أكثر حضورًا في العالم. فالأمم لا تُعرَف فقط بما تملك من آثار، بل بما تستطيع أن تمنح العالم من معنى وحكاية وهوية.

حين نقرأ التاريخ، ربما يكون أكثر ما يلفت النظر ليس عدد الإمبراطوريات والدول التي قامت، بل: أعدادها التي سقطت. دول امتلكت القوة، والثروة، والجيوش، واتسعت حدودها حتى ظن معاصروها أنها خالدة، ثم أصبحت بعد عقود أو قرون مجرد فصول في سفر التاريخ العظيم المفتوح. وفي كثير من الحالات لم يكن سقوطها بسبب نقص القوة، بل ربما بسبب الإفراط في استخدامها، أو سوء تقدير حدودها، أو الاعتقاد أن ما تستطيع الدولة أن تفعله ينبغي بالضرورة أن تفعله. وهذه الفكرة تحضر في الذهن ونحن نحتفل باليوم الوطني للمملكة. بلادنا منذ تأسيسها مرت بثلاث مراحل، تعثرت مرتين ثم قامت في الثالثة وما زالت صامدة تتطلع إلى عقود قادمة من الازدهار والاستقرار. تكالبت عليها القوى العظمى وظلت جذوتها الأساسية قوية ومتقدة. فالدول لا تعيش بقوتها وحدها، وإنما بالطريقة التي تدير بها هذه القوة، وبقدرتها على التمييز والتدبر بالنوازل والتحديات، وبين ما يحقق نصراً سريعاً، وبين ما يحمي المصالح على المدى الطويل. تعلمت الحكمة والحلم بعد تجارب مريرة وتحديات صعبة. وربما لهذا السبب، وسط كل ما يجري اليوم حولنا، نجد هذا الهدوء والثقة بالنفس التي تتحلى بها القيادة السعودية. لماذا؟ لأنها تعرف أن خلفها ومعها شعب عظيم عاش معها ثلاثة قرون. المنطقة تعيش حالة من الاضطراب الشديد، والحروب والصراعات تتداخل، والمنابر السياسية والإعلامية ممتلئة بالخطب والمزايدات، وكل طرف يكاد يقدم نفسه باعتباره المدافع الأكبر عن المصالح العربية، أو الأكثر حرصاً على قضايا الأمة. ومع ذلك لا نرى القيادة السعودية تدخل هذه المسابقات الخطابية، ولا نراها مضطرة في كل مناسبة إلى الدفاع عن نفسها أو شرح مواقفها عبر خطب رنانة. وهذا ليس أمراً جديداً في السياسة السعودية. فمن يراجع تاريخها يجد أن هناك ميلاً دائماً إلى التعامل مع الوقائع باعتبارها مصالح يجب إدارتها، وليس منابر ومسارح للخطابة والاستعراضات. في السياسة، كما في الحياة، ليس دائماً صاحب الصوت الأعلى هو الأكثر تأثيراً. ومن الأمثلة البارزة نكسة يونيو 1967. قبل النكسة كانت العلاقة بين المملكة ومصر عبدالناصر تمر بمرحلة شديدة التوتر. الخلاف حول اليمن كان عميقاً، والخطاب السياسي والإعلامي المصري تجاه السعودية في تلك المرحلة كان قاسياً، وكانت المملكة توصف في أدبيات ذلك الزمن بأوصاف جارحة، ويُقدم الخلاف أحياناً باعتباره مواجهة بين مشروعين مختلفين تماماً. ثم جاءت الهزيمة المدوية. وكان المتوقع أن تتعامل بلادنا معها باعتبارها لحظة انتصار سياسي على خصم أمضى سنوات يهاجمها. وربما الموقف الطبيعي في حسابات الخصومات حينئذ أن نقول: هذه نتيجة سياساتكم، وتحملوا تبعاتها. لكن الذي حدث كان مختلفاً. وقفت المملكة إلى جانب مصر، وأسهمت في دعمها مالياً وسياسياً، وتحولت الأولوية من الخلاف مع عبدالناصر إلى مساندة مصر بعد هزيمة أضعفت الأمن العربي لعقود. وهذه الواقعة، في تقديري، أكبر من مجرد موقف سياسي عابر؛ لأنها تكشف شيئاً في (طبيعة الدولة السعودية وفي طريقة تفكيرها): الخصومة لا تتحول إلى رغبة في رؤية الآخر يسقط، والخلاف لا يلغي إدراك المصالح الكبرى للشعوب، والفُجر في الخصومة منهي عنه دينيا، وغير مقبول أخلاقيا. ولاحقاً، وبعد مؤتمر الخرطوم حيث «اللاءات الثلاث» الشهيرة، بارك عبدالناصر الموقف الموحد الذي تمخضت عنه القمة برعاية سعودية - سودانية، والتمسك بشعار: لا صلح، لا تفاوض، لا اعتراف بإسرائيل، معتبراً أن الدعم المالي السعودي غير المشروط هو الذي أعطى القوة السياسية لهذه اللاءات لتصبح حقيقة على الأرض وتؤسس لمرحلة حرب الاستنزاف ومن ثم التخطيط لنصر أكتوبر. وهناك أيضاً سمة أخرى ظلت حاضرة في تاريخ بلادنا: السعودية لم تحمل مشروعاً توسعياً في العالم العربي، ولم تبنِ مكانتها على إضعاف الدول المحيطة بها. بالعكس، كان استقرار الدول العربية وقوتها، في معظم مراحل السياسة السعودية، جزءاً من التصور العام للأمن العربي. قد تختلف المملكة مع دولة عربية، وقد تكون الخلافات حادة، لكنها لا تنظر إلى سقوط الدول باعتباره مكسباً. وهذه مسألة مهمة جداً اليوم. ففي منطقتنا تجارب كثيرة أثبتت أن إسقاط الدولة أسهل كثيراً من إعادة بنائها، وأن الحروب التي تبدأ تحت شعارات كبيرة قد تنتهي بمجتمعات مفككة واقتصادات منهارة وملايين النازحين، بينما يختفي من أشعلوا الحماس الأول وتبقى الشعوب وحدها تدفع الثمن. ومن هذه الزاوية يمكن أيضاً قراءة الموقف السعودي من اليمن. الشعب اليمني بكل أطيافه ما زال بيننا منذ عقود طويلة شريكا في البناء وحليفا وقت الشدة والرخاء، وعندما استولى الحوثي على الدولة وأطلق يد القمع والقتل هرب إلى بلادنا أكثر من ثلاثة ملايين إنسان، ولم تستقبلهم بلادنا كلاجئين، بل كإخوة لنا، وفتحنا لهم خدمات التعليم والصحة وفرص العمل والتجارة. ومركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية كثف برامجه الانسانية في جميع المجالات لتخفيف وقع المأساة. و(هذا ما فعلته بلادنا مع الشعب السوري). اليمن ليس دولة بعيدة عن المملكة يمكن التعامل معها ببرود الجغرافيا. هو جار، وبين الشعبين روابط تاريخية واجتماعية واقتصادية عميقة، وأي اضطراب فيه يصل أثره مباشرة إلى المملكة. والسعودية تملك من القوة العسكرية والاقتصادية والسياسية ما يسمح لها بأن تكون لاعباً شديد التأثير في هذا الملف. لكن القوة شيء، واستخدامها شيء آخر. الدولة العاقلة تعرف أن اليمن لا يمكن أن يكون ساحة انتقام مطلق، والانتصار لا تقبل أن يدفع ثمنه المدنيون، ولا ترضى المعاناة للشعب اليمني، فكل هذا قد يتحول إلى عبء سياسي وأمني وأخلاقي على الجميع. ولهذا فإن الحرص على أمن المملكة هو نفس الحرص على حياة اليمنيين واستقرار دولتهم؛ والمصلحتين للشعبين في النهاية تلتقيان دوما. الدولة التي تشعر بالهشاشة تحتاج دائماً إلى إثبات قوتها. أما الدولة الواثقة فلا تحتاج إلى استعراضها في كل مناسبة. تحتفظ بأدواتها، وتعرف متى تستخدمها، وتعرف أيضاً متى يكون ضبط النفس أكثر فائدة من استخدامها. وفي اليوم الوطني، ربما لا تكون هذه المعاني بعيدة عن شعور المواطن السعودي تجاه دولته. فثقة المواطن بقيادته لم تتشكل في عام واحد، ولا بسبب خطاب عابر، وإنما تراكمت عبر تجارب طويلة. المواطن يعرف أن بلاده مرت بأزمات إقليمية خطيرة، وحروب على حدودها، وتحولات دولية كبيرة، ومع ذلك ظلت المصلحة السعودية هي الموجه الأساسي في القرارات والتفاعلات. قد لا يعرف المواطن كل التفاصيل، ولا يُفترض أن يعرفها، لكن التجربة علمته أن القرارات الكبرى لا تصنع عادة تحت ضغط الانفعال، وأن الدولة لا تدخل معركة لمجرد أن الآخرين يريدون منها ذلك، ولا تتخلى عن مصالحها حتى ترضي خطاباً عابراً هنا أو هناك. وهنا ربما توجد واحدة من أهم مصادر قوة المملكة. ليست فقط في اقتصادها، أو جيشها، أو موقعها، أو ثقلها السياسي، بل في (العلاقة التي تشكلت عبر الزمن بين الدولة والمجتمع)؛ علاقة تقوم على أن المواطن يعرف أن مصالحه وأمنه واستقرار بلاده تأتي أولاً، وأن القيادة بدورها تدرك أن قوة الدولة تبدأ من تماسك مجتمعها وثقته بها. ولهذا، عندما نعود إلى تلك الإمبراطوريات التي حلقت في سماء التاريخ ثم اختفت كالشهب، ربما نجد أن السؤال الأهم ليس: كم كانت قوية؟ بل: كيف استخدمت قوتها؟ وهنا تكمن، في تقديري، إحدى أهم دلالات التجربة السعودية: أن الحكمة هي التي تمنح القوة معناها. الدولة لا تصبح أقوى كلما استخدمت ما لديها من أدوات صلبة او ناعمة، وإنما عندما تعرف متى تستخدمها، ومتى تضبطها، ومتى تتكلم، ومتى تضطر النزال. الفعل الحكيم المدروس أبلغ من الخطب الطويلة. أخيراً نقول، بكل ثقة بالله ثم بقيادتنا، بلادنا سوف تصمد في مواجهة محور الشر الإيراني في اليمن ولبنان وفي العراق، وسوف تواجه المؤامرات والدسائس والخيانات في المنطقة وخارجها، ولن ترضخ للضغوط الإسرائيلية - الأمريكية للاعتراف بالكيان الصهيوني قبل الاعتراف بحقوق الشعب الفلسطيني العادلة. سوف نواجه كل هذه التحديات والخيانات والضغوط، كما فعلنا من قبل. بلادنا قادرة على المواجهة والانتصار على التحديات الكبرى بحكمة وشجاعة. بلادنا، بقياداتها وشعبها وإمكاناتها السياسية والاقتصادية والعسكرية الكبيرة سوف تكون موحدة، كما كانت منذ التأسيس، ومروراً بالوحدة التي أرساها الملك عبدالعزيز.. وحتى وقتنا الراهن. فهل يمكن القول، إن الدولة السعودية، على اختلاف مراحلها وتطورها، لم تظل أسيرة معضلة الدول التي جاءت وذهبت: أي التوفيق بين مركزية السلطة وتعدد مكوناتها القبلية والاجتماعية والطائفية. في السعودية لم تستخدم إحداهما لصالح الأخرى لأن المصالح العليا واحدة، وكذلك هوية الدولة وأهدافها وغايتها الأساسية.

الطمأنينة هنا لا تعني غياب التحذيرات؛ إنها حضورُ دولةٍ تقرأ الاحتمال قبل أن يُصبح حدثًا، وتضع لكل ظرفٍ تدبيره، ولكل مسؤولية رجالها، تصل الرسائلُ إلى المواطن السعودي فلا تستدرج قلبه إلى الفزع؛ يقرأها بوعي، ويتَّبع توجيهها، ويمضي واثقًا بأن خلف الكلمات المختصرة عملًا واسعًا لا تراه العين. في المملكة العربية السعودية، الشجاعةُ انضباط الجندي في موقعه، ويقظةُ المختص أمام شاشته، ودقةُ الممارس في قراره، وهدوءُ المواطن وهو يُؤدّي دوره، لكل واحد موضعُهُ، ومن اجتماع هذه المواضع تتكوَّن قوة متماسكة، تعرف قدرها من أثرها، وتترك للأفعال أن تتحدَّث بلغتها الحاسمة. حين تقترب الشدائد، يظهر معدن الأوطان في ترتيبها، وفي قدرتها على حماية الإنسان من غير ارتباك، والمملكة تعرف هذا المقام جيدًا؛ بنتْ أمنها بعقول أبنائها، وصانت حدودها بسواعد رجالها، وجعلت الاستعداد جزءًا من كفاءة الدولة، لا رد فعل مؤقتًا، وما يبدو للناس رسالة تحذير مقتضبة، تقف وراءه منظومة تُراقب، وتُقدّر، وتُنسّق، وتختار اللحظة المناسبة للكلمة والإجراء. يتجلَّى الشموخ في اقتصاد الحركة، ودقة الاستجابة؛ فالقرار يصل إلى غايته، والجهة المعنية تمارس اختصاصها، والناس يعرفون ما عليهم، هذه السكينة ثمرة وطنٍ أحسن إعداد رجاله، ووسَّع أدواته، وربط القوة بالحكمة؛ لذلك تكشف التحذيراتُ مقدارَ العناية التي تحيط بنا، وتُؤكّد أن سلامة المواطن حاضرةٌ في الحساب منذ بدايته، وأن العين الساهرة تبدأ عملها قبل اقتراب الخطر، في كل جهة، وعلى كل امتداد. أما الجندي السعودي فيذهب إلى واجبه محمولًا بقيمة الموقع الذي ائتمنه الوطن عليه، يحمل مسؤوليَّته بهدوء من خبر معنى الانتماء، ويقف حيث ينبغي أن يقف؛ لأن حماية الوطن عنده عهد سلوك، لا مساحة للزينة اللفظية، فشجاعته سيادة على النفس عندما يصبح القرار أثقل من الكلام، والثبات أصدق من الوصف. والمواطن شريك في هذا التماسك، اطمئنانه وعي، وهدوؤه ثقة بدولة أثبتت أن الاستعداد يسبق المفاجأة، وأن سلامة الناس أولوية لها أدواتها ورجالها، يستقبل التوجيه بمسؤولية، ويتجنَّب الإشاعة، ويحفظ للموقف اتزانه، فيمنح وطنه قوة أخرى تساند القوة الواقفة في الميدان؛ فالوطن لا تحرسه السواعد وحدها؛ بل يحرسه كذلك عقلٌ يُميّز الحقيقة، ولسانٌ يصون الكلمة، وقلبٌ يرفض أن يكون منفذًا للقلق أو الشائعة. هكذا تكون المملكة في ساعة الاختبار: قيادة تعرف وجهتها، ومؤسَّسات تعرف اختصاصها، وجنود يعرفون قيمة مواقعهم، وشعب يحمل الوفاء فطرةً وموقفًا، لا تضطرب الصورة بكثرة الأصوات، لأن أصلها راسخ؛ وطن شيَّد هيبته بسنواتٍ من العمل، وبقراراتٍ تحمل وزنها، وبأبناءٍ يرون خدمة بلادهم منزلةً تسبق المديح. ومن يتباشر برسائل التحذير يقرأ السطر وينسى ما وراءه، ويرى الاحتمال ويغفل عن الجاهزية التي سبقته، أما السعودي فيفهم أن التحذير علامةُ عنايةٍ، وأن الاحتياط وجهٌ من وجوه القوة، وأن الوطن الواثق يصون أبناءه، ولا يترك سلامتهم للمصادفة. وبقدرة الله تمضي بلادنا محفوظةً، شامخةً برسالتها ومكانتها، حارسةً قبلة المسلمين، معتزةً بشرف المسؤولية التي اختصَّها الله بها، وهنا يلتقي الإيمان بالعمل، والدعاء بالأخذ بالأسباب، والمحبة بواجب الحماية، فيغدو أمن الوطن نعمة نصونها بالوعي، ونستقبلها بالحمد، ونورث معناها للأجيال. تبقى المملكة عاليةً بمواقفها، منيعةً بوعيها، كريمةً في قوتها، لا تستعير شموخها من هدوء الظروف، ولا تفقده عند اشتدادها، هنا يتقدَّم الجندي لأداء واجبه، ويثبُتُ المواطن في مسؤوليته، وتمضي الدولة بعقلها الراسخ. دُمتَ يا وطني مقامًا لا ينخفض، ورايةً تعرفها القمم، وطمأنينةً تسكن القلب؛ لأنها تأسَّست على فعل يستحقُّ الثقة. ضــــوء «الإنسان بدون وطنٍ وأمنٍ وأمانٍ، وبدون كرامةٍ وعزةٍ ليس له قيمة، ونحن أهل السعودية من قبائل وأقاليم عشنا بكرامة وعز طوال حياتنا ولم نتعوَّد على نقصٍ أو إهانةٍ أو عدم أمنٍ». - صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، ولي العهد، رئيس مجلس الوزراء، حفظه الله.

عبر منسوبو كليات عنيزة عن أصدق التهاني والتبريكات إلى مقام خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، وإلى صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء - حفظهما الله -، بمناسبة اليوم الوطني للمملكة العربية السعودية، مؤكدين أن هذا اليوم يمثل مناسبةً متجددة في الاعتزاز بمنجزات الوطن ومقدراته واستشراف مستقبلا أكثر طموحاً وازدهاراً. تحدث في البداية رئيس مجلس الأمناء الدكتور عبدالله بن صالح الشتوي قائلاً: نستحضر في اليوم الوطني، قصة وطنٍ عظيم، بدأت فصوله على يد المؤسس الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود - طيب الله ثراه - الذي وحّد هذه البلاد، وأرسى دعائمها، لنعيش اليوم نهضةً وطنية شاملة، في شتى المجالات تحت راية الإسلام وقيادة حكيمة من لدن خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، وسمو ولي عهده الأمين صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز - حفظهما الله -، حيث يحظى التعليم بدعمٍ كبير، إيماناً بدوره في بناء الإنسان وتنمية قدراته، وتمكين الأجيال من صناعة المستقبل ليحق لنا الفخر بتاريخ وطننا العظيم معتزين بحاضره ومستشرفين مستقبله.. داعياً الله العلي القدير أن يحفظ وطننا وولاة أمرنا من كل شر ومكروه. وبيَّن نائب رئيس مجلس الأمناء الدكتور عدنان بن سعود اليحيى أن اليوم الوطني ليس استذكارًا لماضٍ مجيد فحسب، بل هو استحضار لمسيرة وطن عظيم، امتد مجده عبر الأجيال، وتوالت منجزاته شاهدةً على نهضة راسخة وطموحة، ترجمت التطلعات إلى واقعٍ معاش في مختلف المجالات، وأكدت ما تحقق للمملكة من تقدمٍ وازدهار، وما وصلت إليه من مكانةٍ راسخة بين دول العالم. وفي هذه المناسبة الغالية، نستمد من تاريخ وطننا قوة البدايات، ومن قيادتنا عزيمة الحاضر، ومن طموحاتنا آفاق المستقبل، في ظل قيادة حكيمة رسمت ملامح التحول، وقادت مسيرة التطور والإنجاز، حتى أصبحت المملكة، ولله الحمد، في مصاف الدول المتقدمة، بما تشهده من نهضة تنموية وحضارية شاملة، وما تحقق من منجزات تعكس طموحات قيادتها وأبنائها. إن الاحتفاء بهذا اليوم يجسد عمق الانتماء والاعتزاز بالوطن، ويجدد العزم على مواصلة مسيرة البناء والعطاء، واستشراف مستقبل أكثر طموحًا، سائلًا الله أن يحفظ المملكة وقيادتها وشعبها، وأن يديم نعمة الأمن والاستقرار والرخاء، وأن يواصل وطننا مسيرته نحو مزيد من المجد والرفعة. وأشار عميد كلية الدراسات الإنسانية والإدارية د. بندر الحميدي المطيري إلى هذا اليوم المبارك الذي نعتز بعمق الانتماء وأصالة الطبع والنشأة، قيادة وشعباً، محتفلين بشعار «عزنا بطبعنا»، والذي يعبر عن كل ما يتميز به مجتمعنا السعودي من طباع وخصال فُطِر عليها: من شجاعة وكرم، وجودٍ، وفزعةٍ وهمّة، وأصالة ممزوجة بنخوةٍ عربية إسلامية، وشهامةٍ متأصلة، ورؤيةٍ طموحة وواعدة. يأتي هذا اليوم المجيد ليجدد التاريخ والأمجاد، والفخر والاعتزاز بمسيرة وطنٍ توحّدت فيه القلوب قبل الصفوف، وتوارثت أجياله حب الأرض وصدق الولاء، حتى غدت المملكة دار عزٍّ ومنارة طموح، تجمع بين رسوخ الجذور واتساع الآفاق. وفي هذه المناسبة الغالية، نستحضر بكل وفاء تضحيات الأجداد، وما أرسوه من دعائم الوحدة، ونعتز بقيادتنا التي تواصل مسيرة البناء والازدهار، وبأبناء الوطن وبناته وهم يصنعون الإنجاز بعلمهم وعملهم وإخلاصهم. حفظ الله المملكة وقيادتها وشعبها، وأدام عليها أمنها ووحدتها ورخاءها، وكل عام ووطننا أعزّ وأسمى. وقال عميد كلية الهندسة وتقنية المعلومات أ.د. عبدالله بن محمد الناجم: يُطل علينا اليوم الوطني ونستذكر معه ملحمة التوحيد التي قادها المؤسس الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود، طيّب الله ثراه، ومعه رجاله المخلصون. فقد أرسى هذا القائد الفذّ دعائم الأمن والاستقرار وسار على نهجه أبناؤه الملوك البررة من بعده حتى بلغنا هذا العهد الزاهر بقيادة مولاي خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز وسمو سيدي ولي عهده الأمين الأمير محمد بن سلمان - حفظهما الله -، حيث مضت قيادتنا الرشيدة في مسيرة البناء والتميّز واضعةً مستقبل الوطن في مقدمة أولوياتها، وهو ما تجسّد في منجزات كبرى شهدناها خلال السنوات الماضية وما زلنا نشهدها اليوم. وعبر رؤية 2030، خطت بلادنا خطوات واسعة نحو التنمية المستدامة وتحقيق رفاهية المواطن، ففتحت آفاقًا جديدة في مجالات الاقتصاد والتحول الرقمي حتى غدت المملكة نموذجًا يُحتذى به. ومن ثمار ذلك تصدّر المملكة المركز الأول عالميًا في مؤشر الأمن السيبراني، وسباقها عالميًا على المراكز الأولى في الخدمات والتنافسية الرقمية. وما هذه الإنجازات إلا ترجمة لرؤية قيادتنا الطموحة والمتكاملة التي تسعى إلى ترسيخ مكانة المملكة على الساحة الدولية. وبهذه المناسبة الغالية، نرفع أسمى آيات التهاني والتبريكات إلى قيادتنا الرشيدة وإلى الشعب السعودي الكريم سائلين الله تعالى أن يديم على وطننا نعمة الأمن والرخاء وأن يحفظ ولاة أمرنا ويسدد خطاهم في مواصلة مسيرة النماء والتطوير. وأعرب عميد كلية التمريض د. محمد بن عبدالله السويد عن فخره باليوم الوطني السعودي، حيث نستحضر بكل فخر واعتزاز مسيرة وطنٍ عظيم، بدأت بتوحيده على يد الملك المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود - طيب الله ثراه - وتواصلت مسيرة البناء والتنمية بعزيمة أبنائه الملوك، حتى أصبح وطننا اليوم نموذجًا للطموح والإنجاز، ومكانةً راسخة بين دول العالم. إن اليوم الوطني ليس مجرد ذكرى نحتفي بها، بل هو مناسبة نستحضر فيها قيم الانتماء والوفاء، ونجدد من خلالها اعتزازنا بوطننا، وإيماننا بدورنا في المحافظة على مكتسباته، والمساهمة في مسيرته التنموية الطموحة. فحب الوطن ليس كلمات تُقال، بل مسؤولية تُترجم إلى عمل، وإخلاص، وعطاء، وأمانة نؤديها بكل تفانٍ، وطموح نسهم من خلاله في صناعة مستقبل أكثر إشراقًا للأجيال القادمة. وفي هذه المناسبة الغالية، نسأل الله أن يحفظ خادم الحرمين الشريفين، وسمو ولي عهده الأمين، وأن يديم على وطننا أمنه واستقراره وعزته وازدهاره، وأن يوفّق أبناءه لمواصلة مسيرة البناء والإنجاز. وكل عام ووطننا شامخٌ بعزته، معتزٌ بأمجاده، ماضٍ بطموحه نحو مستقبلٍ يليق بمكانته. وأضاف مساعد رئيس مجلس الأمناء للدراسات العليا والبحث العلمي د. صالح بن محمد اليحيى قائلاً: للوطن في القلب مكانة لا تُضاهى، فهو الأرض التي احتضنت خطواتنا الأولى، والراية التي نفتخر برفعها عالياً في كل محفل. في هذا اليوم الوطني المجيد، نستحضر بكل اعتزاز مسيرة التأسيس والبناء، من رجل آمن بحلم فوحّد الأرض والقلوب، إلى وطن يصنع اليوم مستقبله بسواعد أبنائه وبناته، ويرسم بثقة ملامح رؤية 2030 الطموحة. ونحن في الدراسات العليا والبحث العلمي، نؤمن بأن العلم والبحث هما سلاح الأوطان في زمن التنافس والتقدم، ونستشعر شرف المساهمة في هذه المسيرة عبر إعداد جيل من الباحثين والمبتكرين يليق بطموحات هذا الوطن العظيم. فكل التحية لهذا الوطن الشامخ، وكل الفخر لمن ينتمي إليه، وكل الدعاء أن يبقى شامخاً آمناً مزدهراً بقيادته وشعبه.. عاش الوطن، وعاشت رايته خفاقة إلى الأبد. وقالت مساعدة رئيس مجلس الأمناء لشطر الطالبات أ. منيرة بنت عبدالله السليم في ذكرى اليوم الوطني السعودي نستحضر بكل فخر واعتزاز مسيرة وطنٍ عظيم، توحّدت أركانه على يد المؤسس الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود - طيب الله ثراه - وانطلقت مسيرته نحو البناء والتنمية والازدهار. وفي هذا اليوم الغالي، نعتز بما تشهده المملكة من نهضةٍ متسارعة وطموحاتٍ كبيرة، وبما يحظى به التعليم من اهتمام بوصفه أساسًا لبناء الإنسان وصناعة المستقبل، في ظل رؤية المملكة 2030 التي جعلت من الطموح والعمل والابتكار ركائز لمستقبل أكثر ازدهارًا. إن اليوم الوطني ليس مجرد ذكرى نحتفل بها، بل مناسبة نجدد فيها مسؤوليتنا تجاه وطننا؛ بأن نُتقن أعمالنا، ونستثمر في أبنائه وبناته، ونحوّل الاعتزاز بالوطن إلى إنجازٍ وأثرٍ يسهمان في رفعته وتقدمه. وبهذه المناسبة، أرفع أسمى آيات التهاني والتبريكات إلى مقام خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، وإلى صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، وإلى الشعب السعودي الكريم. حفظ الله المملكة قيادةً وشعبًا، وأدام عليها أمنها وعزها وازدهارها، وجعل رايتها شامخةً، وطموحها بلا حدود. د. عبدالله الشتيوي د. عدنان اليحيى د. بندر المطيري أ.د. عبدالله الناجم د. محمد السويد د. صالح اليحيى أ. منيرة السليم

في اليوم الوطني لا نحتفل بما تحقق من منجزات فقط، وإنما بما يجعل هذه المنجزات ممكنة في الأصل؛ طبع اجتماعي تشكّل عبر أجيال، وظل قادرًا على أن يحفظ معاني الكرم والمروءة والتكافل والأصالة، حتى وهو ينتقل من سياق إلى آخر. فالاعتزاز هنا يتجاوز الذكرى العاطفية إلى إدراك أن ما نعتز به لم يكن شعارًا عابرًا، وإنما طريقة في العيش صنعت جزءًا من تماسك المجتمع وقدرته على التكيف. ولهذا فإن شعار عزّنا بطبعنا لا يصف الماضي وحده، وإنما يفسر سبب استمراره. فالقيم التي نفاخر بها لم تبقَ لأنها حُفظت في الذاكرة فقط، وإنما لأنها كانت مرتبطة بشبكة من المسؤوليات والعلاقات اليومية جعلت حضورها مفهومًا ومتوقعًا. الكرم لم يكن مظهرًا، والفزعة لم تكن استثناءً، والأصالة لم تكن ادعاءً، كانت كلها ممارسات تنتظم داخل أدوار واضحة وعلاقات متبادلة. وهذا الطبع لم يتشكل خارج تاريخ الوطن، وإنما نشأ في مسيرته وتحوّلاته؛ فمنذ مراحل التأسيس التي تبلورت فيها ملامح الدولة والمجتمع، مرورًا بما شهدته المملكة من بناءٍ واتساعٍ وتحولات، ظل المجتمع يحمل معه رصيدًا من المعاني التي تشكلت في حياته وامتدت من جيل إلى آخر. ولذلك فإن أصالة الوطن تتجلى في بقاء جذور تلك المعاني حاضرة، وهي تنتقل من زمن إلى زمن، ومن جيل إلى جيل، وتجد لنفسها صورًا جديدة كلما تغيرت الحياة. والمجتمع اليوم يعيش تحولًا واسعًا في أدواره ومسؤولياته ومساحات حياته. ومع ما شهدته المملكة من تحولات متسارعة في السنوات الأخيرة، في ظل قيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز وسمو ولي العهد الأمين الأمير محمد بن سلمان -حفظهما الله-، اتسعت المدن، وتنوعت المسارات المهنية والتعليمية، وتغيرت كثير من أنماط العمل والأسرة والحياة العامة. وهذه التحولات لم تُلغِ الطباع التي نعتز بها، وإنما أعادت ترتيب السياقات التي تظهر فيها، ووضعت أمام المجتمع سؤالًا عمليًا: كيف تظل هذه المعاني حية حين تتغير الأدوار التي كانت تحملها من قبل؟ هنا يظهر جوهر المسألة. فالقيمة لا تستمر تلقائيًا بثبات صورتها، وإنما بقدرتها على أن تجد لنفسها موضعًا مفهومًا داخل شبكة المسؤوليات الجديدة. وحين تتغير أدوار الناس داخل الأسرة والعمل والمجال العام بسرعة تفوق سرعة إعادة ترتيب التوقعات المتبادلة، قد تبقى صورة القيمة حاضرة في الخطاب، بينما يحتاج حضورها في الحياة اليومية إلى وضوح أكبر في توزيع المسؤوليات. وهذا يمنح الاعتزاز عمقًا أكبر، لأنه يربط القيمة بقدرتها على مواكبة الحياة والاستمرار فيها. فالمجتمع الذي يعتز بطباعه يتعامل معها بوصفها رصيدًا حيًا قابلًا للانتقال إلى شروط جديدة، لا صورة ثابتة تحفظ في الماضي. والطموح الذي تتسع مساحاته اليوم في المشاريع والمهن والتعليم والمبادرات يمكن أن يكون امتدادًا لهذا الرصيد، حين يُحمَل معنى المسؤولية والتكافل والجدية إلى مجالات أوسع مما عرفته الأجيال السابقة. أما الأجيال الجديدة، فهي لا ترث الصور القديمة كما هي، وهذا أمر طبيعي. وما ترثه هو الأهم، فهمٌ لما تعنيه العلاقة بالآخر، وما تستحقه المسؤولية من التزام. فإذا انتقل المعنى واضحًا وقابلًا للحياة في شروطهم، ظل جزءًا من الطبع. أما بقاء الصورة ثابتة مع تغير الأدوار والتوقعات من دون ترتيب كافٍ، فقد يضعف السند العملي الذي يجعل القيمة ممارسة حية لا مجرد ذكرى. ومن هنا فإن الاعتزاز المتوارث لا يقوم على إنكار التحول، وإنما على فهم شرط استمراره. فما نعتز به في ماضينا وحاضرنا هو القدرة على أن تظل بعض المعاني فاعلة كلما تبدلت أدوار الناس ومسؤولياتهم، بعيدًا عن الجمود الذي يفقدها قدرتها على الاستمرار. وهذه القدرة هي ما يمنح التحولات الجارية معناها الأعمق، فهي لا تُقاس فقط بما تضيفه من فرص ومنجزات، وإنما بما تحفظه في الوقت نفسه من رصيد اجتماعي صُنع عبر أجيال. وهنا تتجلى فخامة وطنٍ أصالته عميقة، يمضي إلى المستقبل دون أن يفقد ما منحه معناه، وتتسع فيه صور الحياة بينما تبقى جذوره حاضرة في وجدان أجياله. فما يبقى من الطبع هو ما تجاوز صورته الأولى، واستطاع أن يجد لنفسه موضعًا في الحياة وهي تتغير. فالعز الذي يستمر ليس ما يُحفظ في الذاكرة فقط، وإنما ما يعيد الطبع حمله كلما تبدلت شروط الحياة.

السعودية ليست مجرد مساحة على خارطة العالم، وليست فقط تاريخًا عظيمًا نعتز به؛ إنها حكاية وطن بدأ من قلب الصحراء، ووحّد الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود – طيب الله ثراه – أرضه وإنسانه، ثم سلّم الراية لأبنائه من بعده، جيلًا بعد جيل، حتى أصبح هذا الوطن اليوم واحدًا من أكثر بلدان العالم طموحًا وحضورًا وتأثيرًا. ولعل أجمل ما في قصة السعودية أنها لم تتوقف يومًا عند ما أنجزته. في كل مرحلة كان هناك حلم جديد، وفي كل حلم كان هناك سعوديون يؤمنون بأن القادم يمكن أن يكون أجمل. واليوم، ونحن نعيش عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وسمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، فإننا نعيش مرحلة مختلفة في سرعتها وطموحها وحجم أحلامها. لم يعد السؤال: ماذا نستطيع أن نفعل؟ أصبح السؤال: إلى أي مدى نستطيع أن نذهب؟ وهنا تكمن الحكاية. رؤية السعودية 2030 لم تغيّر شكل المشروعات والاقتصاد فحسب؛ بل رفعت سقف الطموح لدى جيل كامل. أصبح الشاب السعودي يرى الفرصة أمامه، وأصبحت ابنة الوطن شريكة في ميادين التنمية، وتحولت السياحة والثقافة والرياضة والتقنية والترفيه إلى مساحات جديدة للنجاح وصناعة المستقبل. وكلما اعتقد البعض أن سقف الطموح وصل إلى نهايته، ظهرت قصة سعودية جديدة تقول إن الطريق ما زال في بدايته. مدن ومشروعات كبرى، أحداث عالمية، حضور سياسي واقتصادي، واستضافات رياضية دولية، وصولًا إلى كأس العالم 2034؛ ذلك الموعد الذي لن يكون مجرد بطولة كرة قدم، بل نافذة يطل منها العالم على السعودية الجديدة، بتاريخها وثقافتها وإنسانها وقدرتها على تحويل الأحلام الكبيرة إلى واقع. لكن وسط كل هذه الأرقام والمشروعات والأحداث، يبقى الإنجاز الأهم هو الإنسان السعودي. ذلك الإنسان الذي أصبح يؤمن أن وطنه يستطيع، وأنه جزء من هذه القدرة. فالأوطان العظيمة لا تُبنى بالإسمنت والحديد وحدهما، بل تُبنى بالإنسان الذي يؤمن بها، ويحمي مكتسباتها، ويتقن عمله، ويشعر بأن نجاحه الشخصي جزء من نجاح وطنه. ولهذا فإن اليوم الوطني ليس مناسبة نقول فيها فقط: ماذا قدم لنا الوطن؟ بل هو أيضًا يوم نسأل فيه أنفسنا ماذا سنقدم نحن لهذا الوطن؟ فالوطنية ليست صورةً ولا شعارًا ولا كلمات جميلة نكتبها في سبتمبر ثم نغادرها؛ الوطنية عمل، ومسؤولية، وإخلاص، ومحافظة على المكتسبات، وإيمان بأن لكل سعودي وسعودية دورًا في هذه الرحلة. نحن أبناء وطن لم يتعلم المستحيل. وطن بدأ حلمه بالتوحيد، بقيادة المؤسس الباني الملك عبدالعزيز طيب الله ثراه ثم أصبح حلمه أن يكون في مقدمة العالم. وبين الحلمين قصة رجال ونساء، وقيادة وشعب، وأجيال سلّمت أجيالًا راية البناء. وفي اليوم الوطني السعودي، لا أجد عبارة تختصر شعوري تجاه هذا الوطن أكثر من القول: نحن لا نحتفل فقط بوطنٍ عظيم صنعه التاريخ.. نحن نعيش في وطن يصنع التاريخ. كل عام والسعودية شامخة. كل عام وقيادتها وشعبها بخير. وكل عام وأحلامنا بهذا الوطن أكبر.. لأن السعودية دائمًا أكبر من الحلم. ** ** - الهنوف بنت علي المهوس

ذلك القائد هو الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود، رحمه الله، مؤسس المملكة العربية السعودية وملكها الأول، الذي جمع بين الشجاعة والحكمة وقوة الإرادة، وحمل مشروعًا واضحًا لتوحيد البلاد وبناء دولة تنقلها من التفرق والصراع إلى الأمن والاستقرار. لم يبدأ الملك عبدالعزيز مسيرته بجيش كبير أو بإمكانات دولة مكتملة، بل بدأها بعزيمة راسخة، ومعه مجموعة محدودة من الرجال الذين آمنوا برؤيته ورافقوه في واحدة من أبرز مراحل التأسيس في تاريخ الجزيرة العربية الحديث.كان إصراره على العودة إلى الرياض واستعادة حكم آبائه وأجداده من أوائل المواقف التي كشفت عن شخصيته القيادية؛ فقد ظل متمسكًا بهدفه حتى أذن له والده الإمام عبدالرحمن الفيصل، رحمه الله، بالمضي في محاولته. ولم يرَ الملك عبدالعزيز في صعوبة الواقع نهاية للحلم، بل رأى فيها تحديًا يمكن التغلب عليه بالإرادة وحسن التخطيط. وفي 5 شوال 1319هـ، الموافق 15 يناير 1902م، استعاد الملك عبدالعزيز الرياض في حدث أصبح من أبرز محطات التاريخ السعودي. ولم تمنعه قلة العدد ولا صعوبة الظروف من تحقيق هدفه، مستندًا إلى الجرأة وحسن التدبير ومعرفته الدقيقة بطبيعة الموقف. لم تكن استعادة الرياض نهاية الطريق، بل كانت بداية مشروع تاريخي أوسع لتوحيد البلاد وبناء دولة قادرة على حفظ الأمن وإدارة شؤون الناس. وعلى مدى أكثر من ثلاثة عقود، قاد الملك عبدالعزيز مسيرة التوحيد، وتوحّدت تباعًا تحت قيادته مناطق نجد والقصيم والأحساء وعسير وحائل والحجاز وجازان وغيرها، حتى اكتمل بناء الكيان السعودي الحديث. وخلال تلك المسيرة، جمع الملك عبدالعزيز بين العمل العسكري والعمل السياسي ونهج المصالحة؛ فخاض المعارك، وعقد العهود، وكسب تأييد الرجال والقبائل، ورسّخ الولاء للدولة. وكان حاضرًا في الميدان، قريبًا من رجاله، يعرف متى يتقدم ومتى يصبر، ومتى يحسم ومتى يفتح باب المصالحة. وهنا تتجلى عظمة تجربته؛ فلم يكن الإنجاز في الانتصار العسكري وحده، بل في قدرته على تحويل الانتصار إلى وحدة، والوحدة إلى دولة. فقد نظر الملك عبدالعزيز إلى ما بعد المعركة، وعمل على ترسيخ الأمن، وإقامة العدل، وجمع أبناء المناطق والقبائل تحت راية وطن واحد. وبذلك تحولت الوحدة إلى كيان سياسي واجتماعي أنهى التشتت، ورسّخ الاستقرار، وأقام دولة ذات سيادة ومكانة. وقد أكسبته سنوات الشدة والغربة والعمل الميداني بصيرة واسعة بأحوال البلاد والناس، فجمع في قيادته بين قوة القرار وعدالة الحكم، وبين الشجاعة السياسية والحكمة في إدارة شؤون الدولة.وبعد مسيرة طويلة من التوحيد، صدر الأمر الملكي رقم 2716 في 17 جمادى الأولى 1351هـ، بتوحيد البلاد وتسميتها «المملكة العربية السعودية»، على أن يصبح الاسم نافذًا ابتداءً من يوم الخميس 21 جمادى الأولى 1351هـ، الموافق 23 سبتمبر 1932م. وهو التاريخ الذي تحتفل فيه المملكة بيومها الوطني، وتستحضر من خلاله مشروع التوحيد وقيم الوحدة والاستقرار.ومع اكتمال مسيرة التوحيد، واصل الملك عبدالعزيز، رحمه الله، ترسيخ مؤسسات الدولة وتنظيم شؤون الحكم والإدارة، وتطوير أجهزة الأمن والقضاء، ودعم التعليم، وتعزيز علاقات المملكة مع الدول الأخرى. ولم يكن بناء الدولة منفصلًا عن مسيرة التوحيد، بل سار معها وتوسع بعدها؛ فقد أدرك الملك عبدالعزيز أن توحيد الأرض يحتاج إلى مؤسسات تحفظ الأمن والعدل، وتنظم شؤون الناس، وتصون وحدة البلاد واستقرارها. ولم تقتصر عناية الملك عبدالعزيز على بناء مؤسسات الدولة، بل امتدت إلى الإنسان وأحوال شعبه وتنظيم شؤون الحياة العامة؛ إيمانًا منه بأن قوة الدولة تقوم على تماسك مجتمعها واستقراره. وكان قريبًا من الناس، يستمع إليهم ويتابع شؤونهم ويولي احتياجاتهم عناية خاصة وكبيرة، جامعًا في قيادته بين هيبة الحاكم وبساطة التعامل، وبين الحزم والحكمة وتحمل المسؤولية. كما أولى الملك عبدالعزيز، رحمه الله، الحرمين الشريفين عناية كبيرة، واهتم بخدمة حجاج بيت الله الحرام والمعتمرين، وتيسير شؤونهم وتعزيز أمنهم. وكانت العناية بالحرمين الشريفين وخدمة قاصديهما جزءًا أصيلًا من مسؤوليات الدولة، ومن مشروعه الأوسع لترسيخ الأمن وتنظيم أجهزة الدولة وتهيئة البلاد لمرحلة جديدة من البناء والتنمية. وبعد حياة حافلة بالتأسيس والتوحيد وبناء الدولة، توفي الملك عبدالعزيز، رحمه الله، في مدينة الطائف يوم الاثنين 2 ربيع الأول 1373هـ، الموافق 9 نوفمبر 1953م، ثم نُقل جثمانه إلى الرياض، حيث وُوري الثرى في مقبرة العود. رحل المؤسس بعد أن ترك وطنًا موحدًا ودولة راسخة الأركان.تعاقب أبناؤه الملوك من بعده على مواصلة مسيرة البناء والنماء، رحم الله من توفي منهم، محافظين على وحدة الدولة وثوابتها ومكانتها، لتبقى الأسس التي أرساها المؤسس منطلقًا لمسيرة المملكة عبر الأجيال. وفي عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، حفظه الله، تواصلت مسيرة البناء والتنمية، وعززت المملكة أمنها ومكانتها، وواصلت عنايتها بالحرمين الشريفين وخدمة قاصديهما. ويقود صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، حفظه الله، مسيرة رؤية السعودية 2030 وبرامجها ومشروعاتها الوطنية؛ فتتسارع التنمية، ويتنوع الاقتصاد، وتتطور مؤسسات الدولة وقدراتها، وتتسع الفرص أمام أبناء الوطن، وتتوطد مكانة المملكة إقليميًا ودوليًا، مستندةً إلى إرثها العريق، ومتجهةً بثقة نحو مستقبل أكثر ازدهارًا وقوة. وفي اليوم الوطني السعودي، نستحضر الملك عبدالعزيز، رحمه الله، قائدًا ومؤسسًا جسدت سيرته الشجاعة والحكمة والثبات، وكشفت عن قدرته على الجمع بين الحزم والمصالحة، وبين قوة الميدان وبُعد النظر السياسي. فقد أسس وطنًا في ظروف بالغة الصعوبة، ووحّد أرضه وأهله تحت راية واحدة، ثم أرسى دعائم الحكم والدولة، لتواصل الأجيال من بعده مسيرة البناء والتطوير، وتغدو المملكة العربية السعودية دولة موحدة قوية، ترفرف رايتها بكلمة التوحيد، وتحظى بمكانة رفيعة بين دول العالم.رحم الله الملك المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود، ورحم أبناءه الملوك الراحلين، ورجال التوحيد الذين بذلوا أعمارهم في سبيل قيام المملكة العربية السعودية. وحفظ الله خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، وسمو ولي عهده الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، حفظهما الله، وأدام على بلادنا وحدتها وازدهارها واستقرارها وأمنها. (*)باحث في مجال السياسة ومكافحة الإرهاب والجريمة والأمن الوطني محمد بن متعب بن ثنيان بن محمد آل سعود -- محمد بن ثنيان آل سعود

لم تكن العدالة في التجربة السعودية يوماً قيمةً طارئة صاحبت تطور مؤسسات الدولة، بل هي أصلٌ قامت عليه هذه الدولة المباركة، ومنهجٌ استمدت منه مشروعيتها، وركيزةٌ حققت بها أمنها واستقرارها؛ فالعدل لا يقتصر على الفصل في الخصومات فحسب، وإنما يشمل عدالة الحكم، وحماية الحقوق، واستقلال القضاء، وخضوع الجميع للأنظمة، وتحقيق التوازن الدقيق بين حقوق الفرد ومصلحة المجتمع، فكما أن العدل أساس الحكم، فإن الأمن ثمرة العدل، والتنمية لا تستدام إلا بهما معاً. ومن هذا المنطلق الراسخ، نشأت الدولة السعودية على إقامة مرجعية تحفظ الحقوق، وترد المظالم، وتحمي الأنفس والأموال والطرق والتجارة؛ ولذلك ارتبط توحيد البلاد بتحقيق الأمن وإقامة القضاء والتحاكم إلى الشريعة الغراء، ولم تكن العدالة نتيجةً لاكتمال بناء الدولة بل كانت من أهم أسباب نشأتها واستقرارها؛ لأن الأمن القائم على القوة وحدها قد يكون مؤقتاً، أما الأمن القائم على حفظ الحقوق والمساواة أمام القضاء فهو أمن مستدام، وقد تجسد هذا الأصل الأصيل في المادة الثامنة من النظام الأساسي للحكم، التي قررت أن الحكم في المملكة يقوم على أساس العدل والشورى والمساواة وفق الشريعة الإسلامية. وتتأكد هذه العدالة في بناء مؤسسات الدولة وحماية الحقوق؛ إذ تُبنى الثقة بين المواطن والمؤسسة حين يكون النظام واضحاً، ويطبق على الحالات المتماثلة بصورة متساوية، ويتيح الاعتراض على القرارات والأحكام، ويجعل ممارسة السلطة مقيدة بالاختصاص والإجراء والمشروعية، وقد كفل النظام الأساسي للحكم جملة من الضمانات، من أبرزها حماية حقوق الإنسان وفق الشريعة الإسلامية في المادة السادسة والعشرين، واستقلال السلطة القضائية في المادة السادسة والأربعين، وكفالة حق التقاضي بالتساوي للمواطنين والمقيمين في المادة السابعة والأربعين، كما نصت المادة الأولى من نظام القضاء على استقلال القضاة ومنع التدخل في أعمالهم.ويتجلى هذا المفهوم المتقدم للعدالة بصورة عملية في نظام الإجراءات الجزائية، الذي منع القبض والتفتيش والتوقيف والسجن إلا في الأحوال النظامية، وحظر التعذيب والمعاملة المهينة للكرامة، وكفل للمتهم حق الاستعانة بمحام في مرحلتي التحقيق والمحاكمة، بل وأجاز لغير القادر مالياً في الجرائم الكبيرة طلب ندب محام للدفاع عنه على نفقة الدولة، وهذا يعكس عمق الرؤية التنظيمية التي لا تكتفي بفتح باب المحكمة، بل تضمن للمتقاضي قدرةً حقيقية على عرض حجته والدفاع عن حقه، ليصبح المبدأ السائد: للمواطن حقوق تحميها الدولة، وعليه واجبات تحفظ المجتمع، وللسلطة صلاحيات تقيدها الشريعة والأنظمة. وفي مسيرة التطور التنظيمي والقضائي، لم يكن الانتقال التنظيمي في المملكة تحولاً من مرجعية إلى أخرى، وإنما كان انتقالاً من الأحكام الكلية إلى الصياغة النظامية التفصيلية، ومن الاجتهاد في الوقائع المتفرقة إلى قواعد مكتوبة أكثر وضوحاً واستقراراً؛ فالثابت هو مرجعية الكتاب والسنة ومقاصد الشريعة، أما المتطور فهو وسائل تطبيق العدالة، ومنها إصدار الأنظمة المتخصصة، وإنشاء المحاكم والدوائر النوعية، وتطوير إجراءات التقاضي والإثبات والتنفيذ، وتنظيم الاعتراض على الأحكام، وتوظيف التقنية في الخدمات العدلية، ورفع كفاءة الممارسين والمتخصصين، وقد مثّل صدور أنظمة الإثبات والأحوال الشخصية والمعاملات المدنية نقلة نوعية؛ لما حققته من وضوح الحقوق والالتزامات، والحد من تفاوت الأحكام في الوقائع المتماثلة، وتعزيز استقرار الأسرة والمعاملات المدنية والتجارية، ومن صور هذا التطور المشهود الاعتراف بالدليل الرقمي، والتقاضي الإلكتروني، وتبادل المذكرات عن بُعد، واشتراط الاستعانة بمحام في عدد من الدعاوى والإجراءات التجارية، بما يرفع جودة الخصومة القضائية ويحمي مصالح أطرافها، تأكيداً على أن التقنين لا يستبدل الشريعة بل يوضح أحكامها المختارة، والثوابت تحفظ هوية النظام والتحديث يرفع كفاءته. وامتداداً لهذا التميز، جعلت رؤية السعودية 2030 العدالة والشفافية وكفاءة المؤسسات جزءاً أساسياً من التنمية؛ لأن المواطن والأسرة والمستثمر والمنشأة يحتاجون جميعاً إلى بيئة تكون فيها الحقوق واضحة، والعقود مستقرة، والمنازعات محسومة بكفاءة، مما يتطلب في المرحلة المقبلة التركيز على عدة مسارات حيوية؛ تبدأ بالعدالة الوقائية من خلال وضوح الأنظمة وجودة العقود والامتثال لمنع النزاع قبل وقوعه، والاهتمام بجودة التنظيم بدراسة أثر الأنظمة قبل إصدارها وبعد تطبيقها، وتحقيق التكامل والعدالة الرقمية بتسهيل الوصول إلى القضاء دون عوائق، وحوكمة الذكاء الاصطناعي لحماية الخصوصية وبقاء القرار القضائي تحت المسؤولية البشرية، وتعزيز الصلح والوساطة والتحكيم كوسائلفاعلة، وصولاً إلى قياس الأثر العدلي بجودة الأحكام وسرعة التنفيذ وسهولة الوصول واتساق المبادئ القضائية، فالعدالة ليست حكماً سريعاً فقط، بل هي حكم صحيح، بإجراء عادل، وفي وقت مناسب، وقابل للتنفيذ. وتقدّم التجربة السعودية اليوم نموذجاً فريداً يجمع بين أصالة المرجعية وحداثة الوسائل؛ فقد كانت العدالة أساساً في نشأة الدولة، ثم أصبحت أصلاً دستورياً للحكم، وتحولت إلى منظومة متكاملة من المؤسسات والأنظمة والضمانات، والتحدي في المرحلة المقبلة ليس مجرد إصدار مزيد من الأنظمة، وإنما أن تكون العدالة واضحة في التنظيم، مستقلة في القضاء، عادلة في الإجراءات، سريعة في الوصول، وفاعلة في التنفيذ، فكما بُنيت الدولة السعودية تاريخياً على العدل واستقر بها الأمن، فإنها اليوم تُبنى بالعدل ذاته دولةً أكثر كفاءةً وازدهاراً؛ تتطور أدواتها، وتبقى قيمها راسخة شامخة.

في كل عام، تتجدد ذكرى اليوم الوطني السعودي لتأخذنا إلى ما هو أعمق من مجرد احتفال بالماضي؛ إنها وقفة مع الذات، وتجديد للعهد، واحتفاء برحلة وطن لم تكن مستحيلة، لكنها بالتأكيد لم تكن سهلة. إن الانتماء لهذه الأرض ليس مشاعر ناعمة نعيشها في أوقات الرخاء فحسب، بل هو عشق صلب يتجلى ويتأكد كلما واجهنا التحديات ورسمنا فوق أرضها حكاية تجاوزٍ جديدة. لقد قامت هذه الدولة العظيمة على أرض صلبة ومساحات شاسعة وبيئات قاسية، لكن الإرادة التي جمعت الشتات وحولت الصحراء إلى كيان موحد بقيادة بطل الجزيرة الملك عبدالعزيز - رحمه الله - ورجاله المخلصين، هي ذاتها الإرادة التي تسري في عروق أبنائها اليوم. لم تكن المسيرة خالية من العثرات؛ مر أجدادنا وآباؤنا بتحولات اقتصادية وسياسية واجتماعية، واجهت خلالها المملكة الكثير من الرهانات والتحديات الإقليمية والدولية. ومع كل تحدٍ، كان الرهان الحقيقي يسقط أمام تلاحم الشعب مع قيادته، وأمام إيمان راسخ بأن هذا الوطن هو الملاذ والهدف. في هذا اليوم العظيم، لا نحتفي فقط بالمنجزات والمشاريع العملاقة، ولا بالطموحات المستقلية الشاهقة التي تعانق السماء ضمن رؤية السعودية 2030، بل نحتفي بقوة الصمود وبأن العشق للوطن يتألق أكثر تحت الضغط. إنه عشق يظهر في سهر المرابط على الحدود، وفي إصرار المبتعث الذي يحمل اسم بلاده في أقصى الأرض، وفي عزيمة الطبيب والمهندس والمعلم والمبدع في كل زاوية من زوايا هذا الوطن. التحديات لا تزيد الأمم العظيمة إلا صلابة، والسعودية أثبتت مراراً أنها لا تكتفي بعبور الأزمات، بل تحولها إلى فرص للنمو والابتكار والسيادة. نحن لا نحب وطننا لأنه كامل بلا مشقة، بل نحبه لأننا شققنا معه الطريق، وبنينا فيه الحاضر، ونرسم بأيدينا مستقبله.إن حكايتنا في اليوم الوطني هي حكاية شغف لا ينطفئ، وإيمان لا يتزعزع. نقولها بملء الفم وبكل فخر: مهما بلغت التحديات، ومهما كانت الرهانات كبيرة، يبقى عشقنا لهذا الوطن هو ثابتنا الذي لا يتغير، ودافعنا نحو المجد الذي لا يقتصر على نحت التاريخ، بل على صناعته. اللهم أدم أمن هذا الوطن واحفظ قادته.