جارٍ التحميل...
كان الذكاء الاصطناعي، حتى وقت قريب، يقف إلى جوار الموظف؛ يبحث له، يحلل، يكتب، ويقترح. أما ما ظهر في ليب 2026 فيشير إلى انتقال أكثر عمقًا: فالذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد أداة تساعد الإنسان على أداء العمل، بل بدأ يدخل إلى العمل نفسه من خلال الوكلاء الذكيين القادرين على التعامل مع الأدوات والبيانات والأنظمة وتنفيذ سلسلة من الإجراءات وصولًا إلى نتيجة محددة. وهنا تبدأ القضية التي تتجاوز التقنية إلى بنية العمل. فالوظيفة، كما عرفها القرن العشرون، قامت على تقسيم العمل إلى مهام وأدوار وأقسام، ثم بناء التسلسل الإداري حولها. أما الوكيل الذكي فيستطيع، وفق الهدف والصلاحيات الممنوحة له، أن يتحرك بين البيانات والتطبيقات والخدمات وينجز سلسلة من المهام التي كانت موزعة على أكثر من دور بشري. ومن هنا يبدأ التحول من تنظيم العمل حول الوظائف إلى تنظيمه حول النتائج. ولعل حجم الأموال التي تتحرك حول هذه المنظومة يوضح أن الأمر لم يعد مجرد تطور في أدوات العمل. فقد شهد ليب 2026 إعلان إطلاقات واستثمارات وشراكات تتجاوز 15 مليار دولار في الذكاء الاصطناعي والتقنيات المتقدمة، تشمل البنية التحتية الرقمية والحوسبة المتقدمة ومراكز البيانات والنماذج والخدمات السحابية والتطبيقات المتخصصة. وهذا الرقم لا يمثل استثمارًا في الوكلاء وحدهم، ولا حتى استثمارات مالية خالصة، لكنه يكشف حجم البيئة التي يجري بناؤها لكي يصبح الذكاء الاصطناعي جزءًا من البنية التشغيلية للمؤسسات. وفي اليوم الثاني وحده، تجاوزت الإعلانات الاستثمارية 2?5 مليار دولار؛ من بينها 1?2 مليار دولار أعلنتها شركة المعمر لأنظمة المعلومات لتوسعة مراكز البيانات في المملكة ورفع الطاقة التشغيلية الإجمالية إلى 192 ميغاواط، و880 مليون دولار لتطوير مراكز بيانات في وادي خزام الرقمي بطاقة مستهدفة تبلغ 65 ميغاواط بحلول 2033، إضافة إلى 300 مليون دولار لدعم توسع البنية الرقمية في إفريقيا، وأكثر من 150 مليون دولار لاستثمار موبايلي وبايت بلس في خدمات الحوسبة السحابية في المملكة. لكن الأهم من الرقم الإجمالي هو اتجاه الاستثمار نفسه. فالمملكة لا تستثمر في تطبيقات منفردة فقط، وإنما في سلسلة القيمة الكاملة للذكاء الاصطناعي: الطاقة، ومراكز البيانات، والاتصال، وأشباه الموصلات، والحوسبة المتسارعة، والنماذج، والسحابة، والتطبيقات القطاعية. وهذا يعني أن السؤال لم يعد: هل سيدخل الذكاء الاصطناعي إلى العمل؟ بل: كم من بيئة للعمل ستُبنى منذ البداية حوله؟ وهذا ما يجعل الحديث عن اختفاء الوظائف أقل دقة من الحديث عن تحولها. فقد يبقى المسمى الوظيفي، بينما تنتقل بعض مهامه إلى الوكيل، ويبقى للإنسان الحكم والخبرة والسياق والمسؤولية. ومع الوقت قد يصبح السؤال الأهم: ما الذي يحتاج إلى إنسان، وما الذي يمكن أن تنفذه منظومة من الوكلاء؟ لكن المفارقة الأعمق تتعلق بالخبرة نفسها. فالأعمال التي يسهل على الوكيل تنفيذها هي في كثير من الأحيان الأعمال التي كان الإنسان يبدأ بها حياته المهنية. الموظف المبتدئ كان يتعلم من التكرار والخطأ والتصحيح ومواجهة الحالات اليومية، ثم تتحول هذه الممارسة إلى خبرة وحكم مهني. فإذا انتقلت هذه الطبقة من العمل إلى الآلة، فقد تفقد المؤسسة السلم الذي يصعد من خلاله الإنسان إلى الخبرة. وهذه ليست مجرد فرضية نظرية، فقد أكد المنتدى الاقتصادي العالمي في تقريره لعام 2026 أن أكثر من واحد من كل ثلاثة من الشباب العاملين عالميًا يعملون في مهن ذات تعرض متوسط إلى مرتفع لتغير المهام بسبب الذكاء الاصطناعي، وأن تطور هذه الوظائف ستكون له آثار مباشرة في المشاركة الاقتصادية والتنقل المهني والمسارات المبكرة للخبرة. وتأتي نتائج برايس ووترهاوس كوبرز لتجعل الصورة أكثر دقة. فقد حلل تقريرها لعام 2026 أكثر من مليار إعلان وظيفي في 27 دولة وإقليمًا، ووجد أن الوظائف المبتدئة الأكثر تعرضًا للذكاء الاصطناعي أصبحت أكثر احتمالًا بسبع مرات لأن تتطلب مهارات كانت ترتبط تقليديًا بالمستويات الأعلى من الخبرة، مثل الحكم والقيادة والإبداع والتفاعل البشري. كما نمت هذه الوظائف المبتدئة ذات المتطلبات الأعلى بنسبة 35 % منذ 2019، بينما انخفضت الوظائف المبتدئة الأخرى بنسبة 10 %. وهنا تظهر المشكلة الحقيقية: إذا تولت الآلة الأعمال التي كان المبتدئ يتعلم من خلالها، ثم أصبحت المؤسسة تطلب من الموظف الجديد منذ البداية قدرات الحكم والقيادة والتعامل مع التعقيد، فمن أين ستأتي الخبرة؟ فالخبرة ليست معلومة يمكن تحميلها، وإنما تسلسل يتكون عبر الزمن: مهمة ينفذها المبتدئ، ثم خطأ يتعلم منه، ثم مراجعة مع خبير، ثم مواجهة حالة أكثر تعقيدًا، ثم تحمل مسؤولية أكبر، حتى تتحول الممارسة إلى حكم مهني. وإذا اختفت المراحل الأولى من هذا التسلسل، فلن تكون المشكلة في عدد الوظائف المفقودة فقط، بل في قدرة المؤسسات على إنتاج الجيل التالي من الخبراء. لذلك قد يصبح الإنسان الأكثر قيمة في بيئة الوكلاء ليس من ينفذ أكبر عدد من المهام، وإنما من يستطيع تحديد المشكلة الصحيحة، وصياغة الهدف، وتقييم النتيجة، واكتشاف الخطأ، وفهم السياق، واتخاذ القرار عندما لا توجد إجابة واضحة. وتدعم بيانات برايس ووترهاوس كوبرز هذا التحول؛ فالوظائف التي تتطلب مهارات محددة في الذكاء الاصطناعي تنمو بنحو 69 %، مقابل 9 % لنمو سوق الوظائف ككل، بينما ارتفعت علاوة الأجور المرتبطة بمهارات الذكاء الاصطناعي إلى 62 %. كما وجدت الدراسة أن الشركات الأكثر قدرة على استخدام الذكاء الاصطناعي حققت نموًا في العمالة بنسبة 52 % مقابل 36 % لدى الشركات الأقل تعرضًا، وحققت نموًا أعلى في الأجور، بلغ 24? مقابل 17 %. ومن هنا لا تبدو المسألة معركة بين الإنسان والآلة، بل إعادة توزيع للأدوار بينهما. الوكيل يعمل بسرعة واتساق وعلى نطاق واسع، بينما يربط الإنسان النتيجة بالسياق ويقدر آثارها ويتحمل تبعات القرار. ولهذا لن تكون المؤسسة الأكثر تقدمًا هي التي تستبدل أكبر عدد من موظفيها، وإنما التي تعرف أين تمنح الوكيل مساحة للعمل وأين يبقى الإنسان صاحب الحكم. وهذا التحول لم يعد مجرد توقع. ففي ليب 2026 أعلنت هيوماين ومايكروسوفت توسيع تعاونهما لتقديم هيوماين ون مع منظومة مايكروسوفت 365، بما في ذلك المساعد الذكي، ضمن حزمة إنتاجية مؤسسية تستهدف مبدئيًا مليون مستخدم مؤسسي في الشرق الأوسط وإفريقيا. ويستهدف النظام التعامل مع تطبيقات المؤسسة وبياناتها ومسارات العمل، مع إمكانية التوسع إلى الموارد البشرية والمالية والمشتريات وتقنية المعلومات، إضافة إلى تطوير وكلاء متخصصين باللغة العربية. وهنا نصل إلى نقطة جوهرية: الوكيل لا يقترب من الوظيفة فقط؛ بل يقترب من سير العمل نفسه. فإذا أصبح قادرًا على الانتقال بين الموارد البشرية والمالية والمشتريات وتقنية المعلومات، فإن الحدود التي بُنيت عليها الوظائف خلال القرن العشرين تبدأ في التراجع. لكن سرعة الانتقال تطرح سؤالًا آخر يتعلق بالثقة والحوكمة. فقد وجد ديلويت في 2026 أن 21 % فقط من المؤسسات لديها نموذج حوكمة ناضج لإدارة مخاطر الذكاء الاصطناعي الوكيلي. وفي المقابل، يتوقع 74 % من القادة أن يعاد تصميم ما يقارب نصف عمليات الأعمال حول الوكلاء خلال أربع سنوات، بينما يتوقع 61 % أن تصبح غالبية الوكلاء المستخدمة لديهم مستقلة بدرجة كبيرة، مع بقاء الإنسان في دور الإشراف. وهذا يعني أن المشكلة ليست في قدرة الوكيل على العمل فقط، وإنما في قدرة المؤسسة على إدارة التفويض: ما الذي يسمح للوكيل بفعله؟ ما القرار الذي يحتاج إلى موافقة بشرية؟ من يتحمل المسؤولية إذا أخطأ؟ وكيف يمكن مراجعة سلسلة الإجراءات التي نفذها؟ وهذا التحول سيصل حتمًا إلى التعليم والقيادة. فالجامعة لن تكون مطالبة فقط بإعداد الإنسان لتنفيذ مهنة، بل بإعداده لفهم المشكلة والتحقق من المعرفة والحكم على مخرجات الآلة، وفي الوقت نفسه عليها أن تحافظ على مسار عملي يصنع الخبرة بدل أن يلغي مراحله الأولى. فالمطلوب ليس أن تمنع الجامعة الذكاء الاصطناعي من أداء الأعمال الأولية، وإنما أن تعيد تصميم التدريب بحيث يمر الإنسان بمراحل متدرجة من التعلم والممارسة والمراجعة والمسؤولية. فقد تتغير المهمة، لكن يجب ألا يختفي تسلسل الخبرة. والمدير لن يدير فريقًا بشريًا فقط، بل منظومة تجمع موظفين ووكلاء وأنظمة وبيانات؛ أي أن القيادة ستنتقل تدريجيًا من إدارة الأشخاص والمهام إلى تصميم منظومة العمل. وفي السياق السعودي، تكتسب المسألة أهمية أكبر؛ لأن المملكة لا تتعامل مع الذكاء الاصطناعي بوصفه تقنية منفردة، وإنما تبني حوله منظومة متكاملة من الحوسبة ومراكز البيانات والاستثمارات والتطبيقات والشراكات الدولية. وقد امتدت الإعلانات في ليب 2026 إلى قطاعات الطاقة والاتصال وأشباه الموصلات ومراكز البيانات والحوسبة المتسارعة والنماذج والسحابة والتطبيقات القطاعية. ولذلك فإن الرهان الحقيقي ليس فقط في سرعة تبني الوكلاء، وإنما في إعادة تصميم العمل دون فقدان المسار الذي يصنع الخبرة البشرية. فإذا استخدمت المؤسسات الوكلاء لإزالة الأعمال المتكررة، ثم أعادت توجيه الوقت نحو البحث والتطوير والتعلم والابتكار، فإن التقنية توسع المجال الإنساني. أما إذا أصبح استخدامها مرادفًا لتقليص عدد الموظفين، فقد تحقق كفاءة مالية قصيرة الأجل، لكنها قد تضعف قدرتها على إنتاج الخبراء الذين تحتاج إليهم مستقبلًا. ولهذا قد لا يكون التحول القادم هو تقاعد الإنسان من العمل، وإنما تقاعد العمل بصورته القديمة؛ الوظيفة التي تقوم على مجموعة ثابتة من المهام يؤديها شخص محدد داخل هيكل إداري محدد قد تصبح أقل ملاءمة لعالم يتحرك فيه الوكلاء عبر الحدود التقليدية بين الوظائف والأقسام. وهنا تكمن المفارقة التي بدأ ليب 2026 في كشفها: الوكيل الذكي بدأ قريبًا من الإنسان بوصفه مساعدًا، لكنه يتجه إلى أن يصبح جزءًا من البنية التشغيلية للمؤسسة. وبين الموقعين تتغير قيمة الوظيفة، وطريقة اكتساب الخبرة، ومعنى القيادة، ودور التعليم. قد لا يتقاعد صاحب الوظيفة قبل موعده، لكن الوظيفة نفسها قد تتقاعد قبل صاحبها. وهذا هو السؤال الذي يستحق أن يبقى بعد ليب 2026: القضية لم تعد متى سيعمل الذكاء الاصطناعي بدلًا من الإنسان، وإنما كيف سيعمل الإنسان عندما يصبح الذكاء الاصطناعي جزءًا من العمل نفسه؟