جارٍ التحميل...
جارٍ التحميل...
د. غالب محمد طه08/09/2026
كثيرًا ما يبدأ إعداد الإعلامي بعد أن يختار المهنة، بينما تبدأ الموهبة قبل ذلك بسنوات. قد تظهر في طالب يكثر من الأسئلة، أو يلتقط التفاصيل التي لا ينتبه إليها الآخرون، أو يعرف كيف يحكي قصة عادية بطريقة تجعل من حوله يصغون إليه. ومع ذلك، لا تجد هذه الإشارات دائمًا من يلتفت إليها في الوقت المناسب.
من هنا تبدو خطوة تأسيس أول مدرسة للموهوبين الإعلاميين في المدينة المنورة مختلفة؛ فهي لا تقدم برنامجًا تعليميًا جديدًا فحسب، بل تطرح سؤالًا يستحق التوقف: لماذا ننتظر الموهبة حتى تصل إلى الجامعة أو تدخل المهنة، بينما يمكن اكتشافها وصقلها في سن مبكرة؟
المدرسة ثمرة شراكة بين وزارة التعليم ووزارة الإعلام، وتستهدف 300 طالب وطالبة في المرحلة الثانوية، عبر مسارات تشمل التقديم الإعلامي، والصحافة والمحتوى، والإنتاج والإبداع البصري، والإعلام الرقمي، والذكاء الاصطناعي. لكن ما يستوقفني في هذه التفاصيل ليس عدد الطلاب ولا تعدد المسارات، وإنما الفكرة التي تقف خلفها: أن الموهبة الإعلامية تستحق أن تُكتشف قبل أن يصبح صاحبها إعلاميًا.
اعتدنا أن نبحث عن المواهب العلمية والرياضية والفنية في سن مبكرة، وأن ننشئ لها برامج ومدارس ومسارات للرعاية. أما الموهبة الإعلامية، فكثيرًا ما نتركها للصدفة. ننتظر حتى يصل الطالب إلى الجامعة، أوحتى يطرق باب مؤسسة إعلامية، ثم نبدأ في اكتشاف ما إذا كان يمتلك القدرة على الحضور أو السرد أو الحوار أو صناعة الصورة، مع أن هذه القدرات قد تظهر قبل ذلك بكثير.
قد تكون في طالب لا يكف عن السؤال، أو في آخر يلاحظ تفصيلًا لا يراه زملاؤه. وقد تكون في فتاة تجيد رواية قصة عادية بطريقة تجعل الآخرين يصغون إليها، أو في طالب يعرف كيف ينصت قبل أن يتحدث، أو في آخر لديه حس بصري يجعله يرى المشهد بطريقة مختلفة.
في هذه النقطة تحديدًا تتجلى قيمة هذه المدرسة. فالمسارات الخمسة لا تقول للطالب: كن مذيعًا أو صحفيًا، بل تمنحه فرصة أوسع ليكتشف أين يمكن أن تكون موهبته. ربما يكون أمام الكاميرا، وربما خلفها، وربما يكتب أو يصور أو ينتج أو يصمم أو يدير منصة رقمية أو يوظف الذكاء الاصطناعي في صناعة المحتوى.
وربما يكتشف، خلال التجربة، أن موهبته ليست في الإعلام أصلًا. وهذا أيضًا نجاح؛ لأن اكتشاف الموهبة لا يعني فرض المهنة على صاحبها، بل منحه فرصة مبكرة لمعرفة نفسه.
بهذا يتجاوز المشروع فكرة «مدرسة للإعلام» بالمعنى التقليدي. نحن أمام محاولة لبناء إنسان إعلامي يمتلك الفضول، والقدرة على التفكير، وحسن الاستماع، ودقة الملاحظة، والقدرة على التحقق، وفهم الجمهور، ثم يأتي التدريب على الأدوات بعد ذلك.
وهذا مهم في زمن يتغير فيه الإعلام بسرعة قد تجعل بعض الأدوات التي نتعلمها اليوم قديمة غدًا. قد يتغير الاستديو والمنصة والكاميرا وبرامج المونتاج وأدوات الذكاء الاصطناعي، لكن الإنسان الذي يعرف كيف يسأل، وكيف يتحقق، وكيف يفهم، وكيف يحكي قصة تستحق أن تُروى، سيظل قادرًا على التعلم من جديد.
ولهذا لا أتمنى أن تتحول المدرسة إلى كلية إعلام صغيرة داخل المرحلة الثانوية. فالطالب هنا لا يحتاج إلى أن يتقمص دور الإعلامي المحترف مبكرًا، بقدر ما يحتاج إلى مساحة للتجربة؛ أن يكتب ثم يكتشف أن زاويته لم تكن جيدة، وأن يقف أمام الكاميرا ثم يعرف أن موهبته خلفها، وأن يصنع فيلمًا قصيرًا أو يدير حوارًا أو ينتج مادة رقمية، ثم يتلقى نقدًا مهنيًا يساعده على اكتشاف نقاط قوته وضعفه. فالموهبة لا تنمو بالمدح وحده، بل حين تجد من يختبرها ويصقلها ويضعها أمام الميدان.
وتبرز أهمية الشراكة بين التعليم والإعلام في هذه النقطة تحديدًا. فوزارة التعليم تعرف الطالب قبل أن يعرف السوق اسمه، وتملك البيئة التي تستطيع من خلالها ملاحظة اهتماماته وقدراته وتطورها، بينما وزارة الإعلام تعرف المهنة وتحولاتها واحتياجاتها وما يحدث داخل مؤسساتها ومنصاتها ومشروعاتها.
إذا التقت خبرة التعليم في التعامل مع الطلاب بمعرفة الإعلام بالميدان، فنحن لا نكون أمام برنامج تدريبي عابر، بل أمام منظومة تبدأ من اكتشاف الموهبة، ثم رعايتها واختبارها، وصولًا إلى الممارسة الحقيقية.
لكنني أرى في هذه التجربة ما هو أبعد من حدود المدرسة والمدينة. فإذا نجحت المملكة في بناء منظومة حقيقية لاكتشاف الموهبة الإعلامية وصقلها، فقد لا تكون التجربة سعودية فقط، بل قابلة لأن تصبح نموذجًا عربيًا في إعداد جيل جديد من الإعلاميين.
ففي العالم العربي مواهب كثيرة، غير أن جزءًا منها لا يجد البيئة التي تكتشفه مبكرًا، وتمنحه فرصة التجربة، وتجمع بين التعليم والممارسة، وتفتح أمامه مسارات الإعلام المختلفة، من الصحافة والمحتوى إلى الإنتاج البصري والإعلام الرقمي والتقنيات الحديثة.
ومن هذه الزاوية تلتقي التجربة مع مفهوم القوة الناعمة السعودية. فالمملكة لا تحتاج فقط إلى إعلام ينقل تحولاتها، وإنما إلى أجيال قادرة على رواية هذه التحولات وفهمها وتقديمها للعالم بلغاته وثقافاته المختلفة. وكلما امتلكت المملكة كوادر إعلامية متنوعة في الصحافة والإنتاج وصناعة المحتوى والإعلام الرقمي، أصبحت أكثر قدرة على صياغة روايتها بنفسها، وبناء صورتها، وتعزيز حضورها، وتأثيرها، وهكذا يصبح اكتشاف الموهبة الإعلامية استثمارًا طويل المدى في القوة الناعمة، لا مجرد إعداد طلاب لمهنة.
ولعل اختيار المدينة المنورة لهذا المشروع يمنحه بعدًا رمزيًا إضافيًا، فهذه المدينة التي شكّلت عبر تاريخها مركزًا للعلم والتواصل ولقاء الناس، تحتضن اليوم تجربة تبحث عن أدوات جديدة لصناعة الرسالة الإعلامية. تتغير الأدوات، من الكلمة والمشافهة واللقاء إلى الكاميرا والبودكاست والمنصات الرقمية، لكن يبقى جوهر الفكرة واحدًا: أن الرسالة لا تصل إلى الناس بقوتها وحدها، وإنما بقدرة من يحملها على فهمهم ومخاطبتهم.
لذلك، فإن السؤال الذي سيحدد قيمة هذه التجربة ليس كم طالبًا ستخرّج المدرسة، ولا كم برنامجًا سينتج طلابها، بل هل تستطيع المملكة أن تحول هذه المبادرة إلى منظومة مستدامة لاكتشاف المواهب الإعلامية وصقلها؟
إذا حدث ذلك، فلن نكون أمام مدرسة جديدة فحسب، بل أمام بداية لنموذج مختلف في صناعة الإعلامي؛ نموذج يبدأ من الموهبة، ويمر بالتعليم والممارسة، ويستفيد من التقنية دون أن يستسلم لها، ويضع الإنسان والفكرة والرسالة قبل الأداة.
وربما تكون هذه هي القيمة الأبعد للمشروع: أن تبدأ التجربة من المدينة المنورة، لكنها لا تتوقف عند حدودها. أن تبني المملكة إعلامييها للمستقبل، وتفتح في الوقت نفسه بابًا أمام تجربة عربية يمكن أن تستفيد منها بيئات تبحث هي الأخرى عن مواهبها. فالإعلام العربي لا يحتاج فقط إلى إعلاميين أكثر، بل إلى طريقة أفضل لاكتشافهم وصناعتهم.
وربما تبدأ الحكاية كلها من طالب لم نكن نعرف، قبل أن نمنحه الفرصة، أنه موهوب.