جارٍ التحميل...
جارٍ التحميل...
د. سطام بن عبدالله آل سعد08/09/2026
الخطر لا يقع في الفراغ؛ له عنوان وإحداثيات ومسافة، وتحيط به طرق وسكان ومنشآت ومرافق قد تزيد أثره أو تخففه. ومع ذلك، تبدأ إدارة المخاطر غالبًا من تحديد نوع التهديد واحتمالية وقوعه وحجم تأثيره، بينما يظل السؤال الجغرافي، على أهميته، من الأسئلة التي لا تُحسن كثير من الجهات توظيفها، مع أنه أساسي في فهم طبيعة الحدث؛ فسؤال بسيط مثل: أين يقع الخطر؟ قد يغيّر التقدير كله.
فحريق في منشأة معزولة يختلف عن الحريق نفسه وسط منطقة كثيفة السكان، كما أن كمية الأمطار ذاتها قد تمر بسلام في مكان، وتتحول إلى أزمة في مكان آخر بسبب طبيعة الأرض ومسارات الأودية وكثافة العمران.
من هنا جاء الاهتمام بما يعرف بـ جغرافية المخاطر Geography of Risk ، وهو منظور يربط التهديد بالمكان، ومستوى التعرض، والقدرة على الاستجابة. وظهر إلى جانبه مفهوم «المشهد المكاني للمخاطر» Riskscapes الذي يصف الكيفية التي تتشكل بها بيئات الخطر داخل الحيز الجغرافي نتيجة تفاعل أكثر من عامل في نطاق واحد. وتكمن قيمة هذا المنظور في نقله «إدارة المخاطر» من القوائم والجداول إلى قراءة العلاقات المكانية بين مصادر التهديد والعناصر المعرضة له.
وقد يكشف التحليل المكاني ما لا يظهر في السجلات التقليدية. فقد تبدو بعض التهديدات منفصلة عند النظر إليها إداريًا، بينما تكشف الخريطة أنها مترابطة مكانيًا وتعتمد على نقطة واحدة أو نطاق محدود. عندها تزداد أهمية المكان بقدر أهمية نوع الخطر، لأن خللًا في نقطة حرجة قد يمتد تأثيره إلى عدد من الخدمات والمنشآت في الوقت ذاته.
وتبرز الحاجة إلى هذا التوجه في المملكة مع اتساع المساحة، وتنوع التضاريس والمناخ، وتسارع نمو المدن، وتوسع شبكات الطاقة والمياه والاتصالات والنقل والخدمات اللوجستية، إلى جانب المشروعات الكبرى والمناطق الصناعية والاقتصادية والسياحية الجديدة. وهذا يفتح المجال أمام تطوير «أطلس وطني للمخاطر» يجمع طبقات جغرافية ترتبط بالسكان والمرافق الحيوية والطرق ومناطق التعرض الطبيعي والصناعي، ثم يحلل نقاط التركز والاعتماد المتبادل بينها.
ولا تقتصر فائدة مثل هذا الأطلس على الاستجابة عند وقوع الأزمات، وإنما تمتد إلى التخطيط المسبق. فاختيار مكان مستشفى أو محطة كهرباء أو مركز بيانات أو منطقة صناعية يمكن أن يستفيد من تحليل درجة التعرض، وتعدد مسارات الوصول، وقرب البدائل، ومدى الاعتماد على مرافق مشتركة. وهنا تصبح الجغرافيا جزءًا من قرار الاستثمار والتخطيط الحضري وتصميم المدن والمنشآت، لا أداة تستخدم بعد حدوث المشكلة.
وهذا النوع من التفكير يغيّر فلسفة إدارة المخاطر؛ فبدل الاكتفاء بالسؤال عن احتمالية وقوع الحدث وحجم تأثيره، يصبح من الضروري فهم توزيعه الجغرافي، ومدى تركز الأصول والخدمات الحيوية في نطاقات محددة، والخيارات المتاحة إذا خرج أحدها عن الخدمة. وقد تبدأ بعض أفضل قرارات إدارة المخاطر من اختيار مكان أكثر أمانًا، أو توزيع الأصول المهمة جغرافيًا، أو إنشاء مسار بديل قبل اللجوء إليه.
ومع ازدياد ترابط المخاطر المرتبطة بالأحداث الإقليمية والمناخ والطاقة والمياه وسلاسل الإمداد والمرافق والخدمات الرقمية، تصبح الجغرافيا جزءًا أساسيًا من فهم طبيعة المخاطر؛ فالإدارة الحديثة لا يكفيها أن تسأل: ما الذي قد يحدث؟ بل يجب أن تسأل أيضًا: أين يمكن أن يحدث؟