جارٍ التحميل...
جارٍ التحميل...
ثامر الشهراني08/09/2026
في المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، لا تبدو المعركة مجرد صراع بين الصواريخ والطائرات، بقدر ما هي صراع على الرؤية: من يعرف أكثر؟ ومن يكتشف تحركات خصمه أولًا؟ ومن يستطيع أن يحول المعلومات إلى قرار عسكري وسياسي؟ ومن هنا تبرز «حرب الأعمى والبصير» بوصفها مدخلًا لفهم جانب مهم من هذه المواجهة.
تمتلك الولايات المتحدة تفوقًا واضحًا في منظومات الاستطلاع والمراقبة والقدرات الفضائية والجوية والسيبرانية، بما يمنحها قدرة أوسع على بناء صورة عن مسرح العمليات وتحديد الأهداف. وفي المقابل، تدرك إيران أن الفجوة التقنية تجعل المواجهة التقليدية مكلفة، ولذلك تحاول نقل الصراع إلى ساحات لا تكون فيها التقنية الأمريكية وحدها هي العامل الحاسم.
فالضربة لا تبدأ عند إطلاق الصاروخ، وإنما قبل ذلك بكثير؛ عند جمع المعلومات وتحديد الأهداف وتقدير قدرات الخصم. ولهذا فإن إضعاف الرادارات والدفاعات الجوية، متى حدث، لا يعني فقط تدمير منظومة عسكرية، بل تقليص قدرة الطرف الآخر على معرفة ما يجري في سمائه، وفتح مساحة أكبر للمفاجأة.
لكن «العمى العسكري» لا يعني بالضرورة العجز عن الرد. وهنا تراهن إيران على استراتيجية مختلفة: الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة، وتعدد ساحات الضغط، عبر أذرعها في المنطقة، إلى جانب ورقة الممرات البحرية والطاقة. فهي لا تحتاج إلى التفوق في الرؤية بقدر حاجتها إلى جعل التفوق الأمريكي أقل قدرة على حسم النتيجة سياسيًا.
وهنا تكمن المعضلة الأمريكية. فالقدرة على رؤية الأهداف وضربها بدقة لا تعني بالضرورة القدرة على إنهاء الحرب بالشروط نفسها. وكلما اتسعت المواجهة، انتقلت الحسابات من الميدان العسكري إلى أمن الملاحة والطاقة والأسواق العالمية.
يبرز مضيق هرمز بوصفه أحد أهم هذه الحسابات. فمجرد ارتفاع مخاطر تعطّل الملاحة فيه يمكن أن يرفع تكاليف التأمين والطاقة ويضغط على الأسواق، ما يجعل الجغرافيا الإيرانية ورقة اقتصادية تتجاوز حدودها.
وعليه، فإن «حرب الأعمى والبصير» ليست صراعًا بين طرف يرى وآخر لا يرى، بقدر ما هي مواجهة بين تفوق أمريكي في المعلومات والتقنية، واستراتيجية إيرانية تقوم على الإرباك وتعدد ساحات الضغط وإطالة أمد المواجهة. فواشنطن تستطيع أن ترى أكثر، لكن طهران تحاول أن تجعل ما تراه واشنطن غير كافٍ لحسم المعركة. وفي الحروب الحديثة، لا تكفي القدرة على رؤية الخصم؛ الأهم هو القدرة على تحويل هذه الرؤية إلى نتيجة سياسية.