شهدت العاصمة البريطانية لندن انعقاد النسخة الثانية من منتدى لندن للحلال 2026 (London Halal Forum) في مركز الملكة إليزابيث الثانية (QEII Centre)، بمشاركة نخبة من المسؤولين والخبراء وممثلي المؤسسات والشركات العاملة في قطاع الحلال، إلى جانب شخصيات دولية ناقشت آفاق نمو هذا القطاع، ودوره المتنامي في الاقتصاد العالمي.
فعلى مدى يومين، قدّم المنتدى منصة دولية للحوار وتبادل الخبرات، مستعرضًا الفرص الاستثمارية والتطورات التقنية والتحولات التي يشهدها اقتصاد الحلال، الذي لم يعد مقتصرًا على المنتجات الغذائية، بل امتد ليشمل أنماط الحياة والأزياء والخدمات والابتكار والصناعات الإبداعية، بما يعزز فرص التعاون بين الأسواق الدولية.
* سعادة يوسف حسن خلاوي: اقتصاد الحلال يتجاوز المفهوم التقليدي
وشكّلت كلمة سعادة يوسف حسن خلاوي، الأمين العام للغرفة الإسلامية للتجارة والتنمية، إحدى المحطات البارزة في المنتدى، إذ تناول أهمية لندن بوصفها مركزًا عالميًا للأعمال والتمويل، وما توفره من فرص لتعزيز التواصل بين المؤسسات الاقتصادية والأسواق الدولية.
وأكدت محاور كلمته اتساع مفهوم اقتصاد الحلال ليشمل قطاعات متعددة، تتجاوز الغذاء إلى أنماط الحياة والخدمات والصناعات الإبداعية، مشددًا على أهمية الابتكار وبناء الشبكات الدولية في تطوير هذا القطاع وتعزيز قدرته على الاستجابة للتحولات الاقتصادية المتسارعة.
كما عكست النسخة الثانية من المنتدى التطور الذي شهده الحدث منذ انطلاق نسخته الأولى، خلال فترة زمنية تقارب أحد عشر شهرًا، بما يعكس الاهتمام المتزايد بتعزيز مكانة اقتصاد الحلال وتوسيع نطاق التعاون بين الجهات المعنية به.
* 17 مسارًا تجمع بين الأعمال والابتكار والثقافة
تميّز برنامج المنتدى بتنوع موضوعاته، إذ شمل 17 مسارًا تناولت جوانب متعددة من منظومة الحلال، من بينها الاستثمار وتطوير الأعمال والتكنولوجيا والصناعات الإبداعية وأنماط الحياة.
وحضرت الفنون الإسلامية ضمن الفعاليات المصاحبة، من خلال معرض وورش عمل، سلطت الضوء على الإبداع والتعبير الثقافي، وقدّمت مساحة للتفاعل بين التراث الفني والاتجاهات المعاصرة.
كما استعرض المنتدى دور الذكاء الاصطناعي والحلول التقنية في تطوير قطاع الحلال، بما يشمل دعم الابتكار وتعزيز الشفافية وتطوير الأدوات التي تساعد المؤسسات على تحسين كفاءة أعمالها وتوسيع حضورها في الأسواق.
وفي سياق متصل، برزت فعاليات The 55th District التي تناولت الأزياء المحتشمة وأنماط الحياة المرتبطة بالحلال، في إشارة إلى اتساع السوق ليشمل مجالات جديدة تجمع بين الهوية الثقافية والابتكار والفرص التجارية.
وشهد البرنامج كذلك فعاليات رفيعة المستوى مخصصة للمدعوين، أتاحت للمشاركين التعرف على ملامح من التراث الثقافي لعدد من الدول، من بينها إفطار فلسطيني وعشاء تركي، بما عزز البعد الثقافي والإنساني للمنتدى إلى جانب أهدافه الاقتصادية.

* المشاركة السعودية: منظومة الحلال في صدارة الحوار الدولي
حظيت المملكة العربية السعودية بحضور بارز في المنتدى، في ضوء مكانتها المتنامية في تطوير قطاع الحلال وتعزيز قدرته التنافسية على المستوى الدولي، وارتباط هذا التوجه بمستهدفات رؤية المملكة 2030 الرامية إلى تنويع الاقتصاد وتوسيع الفرص الاستثمارية وتطوير القطاعات الواعدة.
وبرزت المشاركة السعودية من خلال سعادة المهندس فهد بن سليمان النحيط، الرئيس التنفيذي لشركة تطوير منتجات الحلال (Halal Products Development Company – HPDC)، الذي شارك متحدثًا في جلسة نقاشية بعنوان: «منظومة الحلال في المملكة العربية السعودية: تعزيز رؤية 2030 والريادة العالمية».
وتناولت الجلسة مكانة منظومة الحلال السعودية وآفاق تطورها، وأهمية تعزيز حضور المنتجات والخدمات السعودية في الأسواق العالمية، إلى جانب استكشاف الفرص التي يتيحها نمو الطلب الدولي على منتجات الحلال وتنامي الاهتمام بالاستثمار في هذا القطاع.
وتكتسب مشاركة سعادة المهندس فهد بن سليمان النحيط أهمية في ضوء مسؤوليته التنفيذية عن شركة تطوير منتجات الحلال، ودورها في دعم نمو القطاع وتطوير فرص الأعمال المرتبطة به. كما جاءت الشركة راعيًا رئيسيًا لمنتدى لندن للحلال 2026، بما يعكس حضور المؤسسات السعودية في الفعاليات الدولية المعنية بتطوير اقتصاد الحلال وتعزيز التعاون بين أسواقه.
وتبرز هذه المشاركة أهمية الانتقال من التركيز على حجم السوق إلى العمل على تطوير منظومته بصورة متكاملة، من خلال دعم الاستثمار والابتكار، وتعزيز كفاءة سلاسل الإمداد، وتوسيع الشراكات الاقتصادية، وتهيئة فرص جديدة أمام الشركات الراغبة في دخول الأسواق الدولية.
كما يعكس تخصيص جلسة لمناقشة التجربة السعودية اهتمام المنتدى بتبادل الخبرات واستعراض النماذج الوطنية التي تعمل على تطوير قطاع الحلال، بما يتيح فرصًا أوسع للتعاون بين المؤسسات والمستثمرين وصناع القرار.
* الاستثمار وسلاسل الإمداد والابتكار
ناقشت محاور المنتدى الفرص التي يتيحها التوسع في اقتصاد الحلال، في ظل تنامي الاهتمام العالمي بالمنتجات والخدمات المتوافقة مع متطلبات المستهلكين في أسواق متنوعة.
وبرزت أهمية بناء سلاسل إمداد أكثر كفاءة وشفافية، وتطوير آليات التعاون بين المنتجين والمستثمرين ومقدمي الخدمات، إلى جانب الاستفادة من التقنيات الحديثة في تحسين الجودة وتيسير الوصول إلى الأسواق.
كما عكست المناقشات توجهًا نحو النظر إلى الحلال باعتباره منظومة اقتصادية متكاملة، تتداخل فيها التجارة والاستثمار والتكنولوجيا والثقافة، وتتيح فرصًا لتطوير نماذج أعمال جديدة وتعزيز التعاون عبر الحدود.
* البعد الإنساني: فلسطين في قلب النقاش
حضر البعد الإنساني في المنتدى من خلال مشاركة سعادة السفير حسام زملط، سفير دولة فلسطين لدى المملكة المتحدة، الذي سلط الضوء على التحديات الإنسانية التي يواجهها الفلسطينيون، ولا سيما الأطفال الذين فقدوا ذويهم أو يفتقرون إلى الرعاية والاستقرار.
وأبرزت مشاركة السفير حسام زملط أهمية استمرار الاهتمام بالاحتياجات الإنسانية للفلسطينيين، ودعم الأجيال الجديدة والحفاظ على هويتها ومستقبلها، في ظل الظروف الصعبة التي يعيشها الشعب الفلسطيني.
وجاء هذا المحور ليؤكد أن الحوار حول اقتصاد الحلال لا ينفصل عن الأبعاد الإنسانية والاجتماعية، وأن التعاون الدولي يمكن أن يسهم في دعم المبادرات التي تستجيب للاحتياجات الأساسية وتعزز فرص التعليم والرعاية والاستقرار.
* التعليم والتأهيل ودعم المصابين من الفلسطينيين
وفي السياق الإنساني والتعليمي، تناول نجم الدين بلال أردوغان جهودًا تتصل بدعم الفلسطينيين المصابين، بما في ذلك توفير الأطراف الصناعية للمصابين الذين تمكنوا من الوصول إلى أماكن تتوافر فيها الرعاية، إلى جانب مساندة الاحتياجات التعليمية والجامعية للفلسطينيين القادمين من قطاع غزة إلى تركيا.
وعكست هذه الجوانب تعدد مسارات الاستجابة للاحتياجات الإنسانية، من الرعاية والتأهيل إلى التعليم، وأهمية التعاون بين المؤسسات والجهات المعنية لتوفير فرص تساعد المتضررين على استعادة قدر من الاستقرار ومواصلة مسيرتهم التعليمية.
* توسع دولي وآفاق جديدة للتعاون
لم تقتصر طموحات المنتدى على فعاليات لندن، بل امتدت إلى خطط لتوسيع نطاق أنشطته وتعزيز حضوره في أسواق دولية أخرى، مع الإشارة إلى فعاليات مرتقبة في باريس، إلى جانب التوجه نحو باكو عاصمة أذربيجان، بما يفتح المجال أمام مشاركة أوسع وتبادل الخبرات بين المؤسسات العاملة في قطاع الحلال.
ويعكس هذا التوجه أهمية بناء منصات دولية مستدامة تجمع ممثلي الحكومات وقطاع الأعمال والمستثمرين والخبراء، وتتيح لهم استكشاف الفرص الجديدة ومناقشة التحديات المشتركة وتطوير مبادرات عملية تخدم نمو القطاع.
* منصة دولية لاقتصاد الحلال
أكدت فعاليات منتدى لندن للحلال 2026 أن اقتصاد الحلال يشهد تحولًا متزايدًا نحو التنوع والتكامل، مع اتساع نطاقه ليشمل قطاعات جديدة تجمع بين التجارة والتكنولوجيا والثقافة وأنماط الحياة.
كما أظهرت المشاركة الدولية، بما فيها الحضور السعودي، أهمية تبادل الخبرات وتعزيز التعاون بين المؤسسات لتطوير المنتجات والخدمات، وفتح أسواق جديدة، ودعم الابتكار والاستثمار.
وبين النقاشات الاقتصادية والفعاليات الثقافية والمبادرات الإنسانية، رسّخ المنتدى مكانته بوصفه منصةً للحوار الدولي حول مستقبل اقتصاد الحلال، وما يمكن أن يتيحه من فرص للنمو والتعاون، في ظل التغيرات المتسارعة التي يشهدها الاقتصاد العالمي.


