الأثر النوعي الذي يُحدثه تركيز المملكة على الابتكار والشراكات والرعاية الصحية المتخصصة، المتمحورة حول المريض وتوسيع نطاق توافر العلاجات النوعية للمرضى الذين يعانون من السرطانات النادرة والمستعصية، شكّل موضوع نقاش مجموعة من رواد ومختصي مجتمع الرعاية الصحية في المملكة العربية السعودية هذا الأسبوع، خلال الجلسة الحوارية رفيعة المستوى التي نظّمتها الجمعية الصيدلية السعودية، في كلية الصيدلة بجامعة الملك سعود، بالتعاون مع سيرفير العربية السعودية للتجارة، بعنوان ابتكار بلا حدود: الارتقاء بحلول الرعاية الصحية في السعودية.
وانعقدت الجلسة في جامعة الملك سعود بالرياض، وسجلت نخبة من الأفكار النوعية والمقترحات العملية من القطاعات الصحية والأكاديمية والسريرية والدوائية، بهدف تعزيز مكانة السعودية كمرجع إقليمي في الابتكار العلمي والعلاجي، ونموذج يحتذى به في توفير العلاجات في الوقت المناسب للمرضى.
* ما أهمية هذا النقاش؟
تواصل المملكة العربية السعودية تنفيذ أجندة تحوّل صحي طموحة على مستوى المنطقة، ضمن إطار رؤية السعودية 2030 وبرنامج تحوّل القطاع الصحي، مع تنامي التركيز على توافر العلاجات والتميّز والرعاية التي تجعل من المرضى محورها الرئيسي، إلى جانب البحث العلمي والتعاون الطبي.
ويأتي هذا التحول الطَموح في وقت شهدت فيه معدلات الإصابة بالسرطان، التي تواصل ارتفاعها عالمياً، زيادة ملحوظةً في المملكة خلال السنوات الأخيرة، إذ تصيب الأورام الدبقية ما يعادل 10.7 شخص لكل مليون نسمة سنوياً. وفي المملكة، يتم سنوياً تشخيص نحو 165 حالة جديدة من الأورام الدبقية الحاملة لطفرة (IDH)، وهي غالباً ما تصيب بالغين بين منتصف الثلاثينيات ومنتصف الأربعينيات من العمر، في مرحلة مهمة للأسرة والعمل والتخطيط بعيد المدى. ورغم أن الأورام الدبقية لا تمثل سوى حوالي 25% من أورام الدماغ، من المهم رصد انتشارها مبكراً بين البالغين الأصغر سناً، لتعزيز فرص النجاة، كما أن رحلة علاجها قد تخلق حالة من الضبابية بالنسبة للمرضى وأسرهم. (1,2)
وطرحت الجلسة الأورام الدبقية كمثال محوري على التحديات الصحية والسريرية بين الإمكانات العلمية وتوافر العلاج الفعلي للمرضى على أرض الواقع. وأكد المشاركون على المكانة المتميزة للمملكة العربية السعودية للمساهمة في سد تلك الفجوة على مستوى المنطقة.
* التزام مشترك بالحلول التحويلية ضمن قطاع الرعاية الصحية
كما شدّدت الجلسة على أهمية التعاون بين مختلف الجهات المعنية للحفاظ على الزخم الكبير للتحول الصحي في المملكة. وأجمع المشاركون على قدرة التكامل بين الطموحات الوطنية والأبحاث الأكاديمية والخبرات السريرية والشراكات الصناعية التي قد تدعم توافر علاجات مبتكرة سريعة وشاملة.
وشارك في النقاش كل من الأستاذ الدكتور هشام الهدلق نائب الرئيس للدراسات العليا والبحث العلمي بجامعة الملك سعود، والدكتور سعود المطيري استشاري طب الأورام بمدينة الملك سعود الطبية الجامعية، والدكتور غازي العتيبي رئيس مركز طب الأورام بمدينة الملك سعود الطبية الجامعية، والأستاذة الدكتورة سفانة المشهدي مدير إدارة الابتكار في المعهد الوطني لأبحاث الصحة، والأستاذ الدكتور مورق العتيبي رئيس مجلس إدارة الجمعية الصيدلية السعودية، وشون كريغ لانت المدير العام لشركة سيرفير فارما.
وأدارت الحوار عبير العنزي، نائب مدير برنامج الإقامة الصيدلانية التخصصي في أمراض الدم والأورام (السنة الثانية) بمدينة الأمير سلطان الطبية العسكرية. وتمحور النقاش حول أربعة محاور رئيسية، هي: مكانة المملكة العربية السعودية في الابتكار الصحي، والتقدم العلمي ضمن مجال السرطانات النادرة والمستعصية، والشراكات اللازمة لاستدامة توافر العلاج، ومساهمة الحلول التحويلية في قطاع الرعاية الصحية في تحقيق طموحات المملكة بعيدة المدى لصحة السكان.
* رواد القطاع الصحي يتحدثون عن أكثر الاحتياجات إلحاحاً
تعليقاً على انعقاد الجلسة، قال الدكتور مورق بن راشد العتيبي، رئيس الجمعية الصيدلية السعودية والأستاذ في كلية الصيدلة بجامعة الملك سعود: يوفر الجمع بين وجهات النظر الوطنية الصحية والأكاديمية والسريرية والصناعة الدوائية أساساً داعماً للارتقاء بالابتكار في قطاع الرعاية الصحية، بما ينعكس إيجاباً على صحة المرضى. ونسعى من خلال هذا الحوار إلى تعزيز الدور الريادي لعلوم الصيدلة وشراكاتها في دعم طموح المملكة العربية السعودية لمواصلة الارتقاء بالحلول التحويلية في قطاع الرعاية الصحية وتعزيز الريادة في توفيرها.
ومن منظور المجموعات الدوائية العالمية المتخصصة في تقديم حلول رعاية صحية مبتكرة، قال شون كريغ لانت، المدير العام لسيرفير فارما: تسعى المملكة العربية السعودية إلى بناء بيئة نوعية تتيح ترجمة الابتكار العلمي المتقدم إلى منافع ملموسة للمرضى بفعالية أكبر. وبالنسبة لسيرفير، يتماشى ذلك مع التزامنا بعيد المدى تجاه هذه المنطقة، التي نعمل فيها منذ عام 1977. وبصفتنا شركة مستقلة تديرها مؤسسة غير ربحية، ندعم هذه الرؤية بعيدة المدى، ونستثمر في تلبية الاحتياجات الملحّة، ونعمل مع الشركاء لدعم توافر الحلول التحويلية للمرضى المصابين بالأمراض النادرة والمستعصية، بما يشمل السرطانات كالأورام الدبقية.
وختاماً، دعا المشاركون إلى مواصلة التعاون الشامل ضمن منظومة الرعاية الصحية كله، بما يسهم في ضمان وصول أثر الابتكار إلى المرضى بصورة يمكن أن تدعم توافر علاجات واضحة وموثوقة، بما يتماشى مع التوجه الاستراتيجي الطموح للمملكة العربية السعودية ضمن إطار رؤية السعودية 2030.
وفي حديث خاص، قال شون لانت، المدير العام لسيرفير فارما : ناقشنا اليوم أهمية تعزيز التعاون بين مختلف القطاعات، بما في ذلك القطاع الأكاديمي والقطاع الخاص والقطاع السريري. وأرى أننا في موقع متقدم للغاية، وأن هذا التعاون يشهد تطوراً إيجابياً مستمراً. وعند تناول الأورام الدبقية والسرطانات النادرة، فإن الجهود المشتركة بين جميع الشركاء قد تكون بالغة الأهمية لتمكين المرضى من الوصول الي العلاجات التي يحتاجون إليها. ومن هذا المنطلق، أعتقد أن الشراكة القائمة قوية، وقد شكّل لقاء اليوم فرصة مهمة لطرحها ومناقشة سبل تطويرها. ولا شك أنها شراكة راسخة وآخذة في النمو، وأتوقع أن تصبح أكثر قوة بعد هذا الحوار.
وحول اختيار الأورام الدبقية كدراسة حالة للنقاش، وما يعكسه ذلك من تحديات علاجية مرتبطة بهذا المرض المعقد، أوضح شون أن هذه المسألة بالغة الأهمية، ولاسيما في سياق رؤية السعودية 2030، وأهداف التحول في القطاع الصحي، التي تتمحور في جوهرها حول تحسين نتائج المرضى. وأشار إلى أن الأورام الدبقية تمثل نموذجًا مهمًا، لأنها تسلط الضوء على التحديات المعقدة التي يواجهها مرضى السرطانات النادرة، بدءًا من الوصول إلى التشخيص الدقيق وإجراء الفحوصات المناسبة، مرورًا بأنظمة الإحالة الصحيحة، وصولًا إلى تلقي العلاج الملائم بما يسهم في تحسين النتائج الصحية. وأضاف أن طرح هذا النموذج خلال الجلسة كان يهدف إلى إبراز هذه التحديات ضمن مسار الرعاية، بما يفتح المجال لتعزيز الشراكة والتعاون، وتحسين تجربة المريض ونتائجه على المدى الطويل.
وفيما يتعلق بالرؤية المستقبلية لتعزيز البحث العلمي والتجارب السريرية وبناء القدرات الوطنية، بما يضمن استدامة الابتكار في قطاع الرعاية الصحية بالمملكة العربية السعودية، أوضح شون لانت أن الابتكار لا يمكن أن يحقق أثره المنشود ما لم يقترن بقدرات محلية فاعلة، وهو ما يُعد عنصراً أساسياً للاستدامة. وأكد أن مواءمة القدرات الوطنية مع مسارات الابتكار تمثل ضرورة محورية، إذ يتطلب ذلك تطوير منظومة أكثر كفاءة قادرة على تحديد المرضى في مراحل مبكرة، وإجراء الفحوصات اللازمة لهم في الوقت المناسب، ثم توجيههم عبر قنوات التعاون الصحيحة ومن خلال نهج متعدد التخصصات، بما يدعم حصول المريض على العلاج المناسب في الوقت المناسب.
من جهته، قال الدكتور عبدالفتاح بن سعيد القحطاني، مشرف إدارة الجمعيات العلمية في جامعة الملك سعود، إن الملتقى الذي تنظمه الجمعية الصيدلية السعودية في قاعة المؤتمرات بجامعة الملك سعود يمثل منصة مهمة لتعزيز التواصل وبناء الشراكات بين الجمعية ومنسوبيها والقطاعين الحكومي والخاص، بما يسهم في دعم البحث والتطوير وخدمة المجتمع الصحي في المملكة.
وأكد الدكتور القحطاني أن التجارب السريرية تعد مرحلة أساسية للتحقق من سلامة وفاعلية العلاجات الجديدة قبل اعتمادها وإتاحتها للمرضى، مشيراً إلى أن الابتكار في الصحة الرقمية والذكاء الاصطناعي أصبح عاملاً محورياً في تسريع الأبحاث الطبية وتطوير حلول علاجية أكثر دقة وفاعلية، بما يعزز جودة الرعاية الصحية، ويدعم الوصول إلى علاجات مبتكرة تلبي احتياجات المرضى في المملكة.
** المراجع:
1-Saudi Cancer registry 2022
2-Ostrom QT et al. Neuro Oncol 2022;24(Suppl 5):v1-v95

