اختتمت مسرحية الصرام عروضها ضمن فعاليات مهرجان الرياض للمسرح، محققة حضورًا لافتًا وتفاعلًا جماهيريًا ونقديًا أكد مكانة العمل بوصفه إحدى التجارب المسرحية التي نجحت في تحويل الموروث المحلي إلى خطاب مسرحي معاصر، يجمع بين العمق الإنساني والجمال البصري والصدق الفني.

جاء عرض الصرام ليقدّم حكاية مستلهمة من البيئة الزراعية في الأحساء خلال سبعينات القرن الماضي، حيث يتحول موسم الصرام جني التمور من فعل يومي اعتيادي إلى طقس اجتماعي وإنساني، تتقاطع فيه المصالح، وتتكشف من خلاله العلاقات المعقدة بين الإنسان والأرض.

وعلى المستوى الإخراجي، اعتمد العرض على رؤية بصرية متماسكة، قدّم من خلالها المخرج سلطان النوه قراءة هادئة وعميقة للنص، دون افتعال أو مباشرة. فقد جاء الإخراج قائمًا على احترام إيقاع المسرح الحي.

وعلى توظيف العناصر السينوغرافية والموسيقية بوصفها جزءًا من السرد الدرامي، لا مجرد أدوات تزيينية. وتجلّى ذلك في استخدام الديكور المستوحى من بيئة النخيل، والإضاءة التي تنقلت بسلاسة بين المشاهد النهارية والليلية، لتعكس التحولات النفسية والدرامية في الأحداث.

أما الأداء التمثيلي، فقد شكّل أحد أبرز عناصر قوة العرض، حيث قدّم الممثلون شخصياتهم بصدق لافت، معتمدين على التفاصيل الدقيقة في الحركة والنبرة والصمت. وتميّزت شخصية عويمر، التي جسّدها الفنان عبدالله التركي، بوصفها واحدة من أكثر الشخصيات تأثيرًا في العرض، لما تحمله من تعقيد نفسي وإنساني. فقد قدّم الدور نموذجًا لإنسان مسحوق بالخوف والذاكرة، بعيدًا عن النمطية أو المبالغة، ما جعل الشخصية تلامس تعاطف الجمهور وتثير تساؤلاته. وفي المقابل، جاءت شخصية أم سلمان، التي أدّتها الفنانة ناهد، بوصفها تجسيدًا لقوة المرأة في المجتمع الزراعي، امرأة صلبة في مواجهة التحديات هادئة في حضورها، وحاسمة في مواقفها. وقد أضفى هذا الدور توازنًا إنسانيًا على العمل، وعمّق من أبعاده الاجتماعية، من خلال تقديم صورة للأم بوصفها حارسة للقيم والذاكرة، لا مجرد شخصية هامشية في سياق الأحداث. النص المسرحي، الذي كتبه عبدالعزيز السماعيل، شكّل العمود الفقري لهذا العمل، بما يحمله من لغة قريبة من الروح الشعبية، دون أن تفقد بعدها الشعري والدرامي.

وقد نجح النص في بناء عالم متكامل، تتحرك داخله الشخصيات وفق منطق إنساني واضح. كما لعبت الموسيقى والأغاني دورًا محوريًا في تشكيل هوية العرض، حيث تم توظيف الأغاني التراثية بعد إعادة صياغتها وتسجيلها بما يتناسب مع الفضاء المسرحي، لتصبح جزءًا من النسيج الدرامي، تعزّز الإحساس بالمكان والزمان، وتمنح العرض بعدًا وجدانيًا إضافيًا. وقد تفاعل الجمهور مع هذه العناصر بوصفها امتدادًا للذاكرة، لا مجرد خلفية صوتية. مشاركة الصرام في مهرجان الرياض للمسرح تأتي ضمن سياق وطني يشهد حراكًا مسرحيًا متناميًا، مدعومًا من هيئة المسرح والفنون الأدائية، التي تواصل دورها في تمكين الفرق المسرحية السعودية، وإتاحة المنصات التي تضمن وصول هذه التجارب إلى جمهور أوسع.

وقد شكّل المهرجان، بما يقدمه من عروض وورش وقراءات نقدية، مساحة حقيقية للحوار والتلاقي بين المسرحيين، وأسهم في إثراء التجربة الفنية للمشاركين. الجمهور الذي حضر العرض أبدى تفاعلًا واضحًا مع أحداث المسرحية، سواء من خلال ردود الفعل أثناء العرض أو في النقاشات التي تلته، حيث أشار كثيرون إلى قدرة العمل على استحضار الذاكرة الجماعية، وتقديمها في قالب معاصر يحترم عقل المتلقي ويخاطب وجدانه. كما لفت النقاد إلى توازن العرض بين البساطة والعمق، وإلى نجاحه في تقديم حكاية محلية بروح إنسانية شاملة.







